“خلية نحل” في المختبر

31 يناير , 2016

بعد عدة مقابلات وموافقة البعض علي توفير مكان للتدريب لي قبل رسالة الماجستير في متطلب مهم يدعي Biolab، اخترت أن أبدأ في مختبر الجينوم البشري، حيث أخذني شرح البروفيسورة رابولد عن تحليل خريطة الجينات البشرية للمرضى ومحاولة الوصول إلى طفرات معينة تجتمع في جين ليكون هو الجين المسبب لمرض ما.

بدأت أول يوم في العمل وكان علي في البداية أن أتدرب على الأجهزة المستخدمة في المختبر علي يد فنية مختبر، وقد شرحت لي بكل حب عن كل جهاز وأنا أدون ملاحظاتي وكانت تتعمد ذكر بعض المواقف المضحكة لطلاب عملوا على هذا الجهاز أو ذاك، لكسر حاجز الرتابة في الشرح وأيضًا إعطاء تعليمات بطريقة غير مباشرة ولكن بطريقة فكاهية.

تعرفت وقتها علي طالبة الدكتوراة التي ستشرف على تدريبي من خلال إعطائي جزء من مشروع رسالتها، أعطتني عدد من البحوث العلمية المختصة في خرائط الجينات Genome sequencing وأخرى تختص بمرضي الزهايمر والتوحد الذين  كانا موضوع اهتمام ذلك القسم في تلك الفترة.

ما لفت نظري في هذا المكان هو توزيع المهام على طلاب الدكتوارة في شؤون إدارية، كالإشراف على الطلاب المتدربين وطلاب رسائل البكالوريس والماجستير وتنسيق جدول السيمنارات وإدارة النقاشات العلمية في يوم إسبوعي محدد وفي ساعة محددة، والبروفيسورة وهي مديرة المجموعة البحثية تأتي لتسمع وتشاهد النقاش وتعطي آرائها إن لزم الأمر ولكنها تسمع أكثر مما تتحدث، وتراقب جهد وجدية كل طالب لديها في أداء مهامه.

في أخر كل سيمنار دائمًا تبقي عشرة دقائق تكون مخصصة إما للتعريف بطالب جديد أو متدرب مثلي أو نقاش مشكلة أو ملاحظات معينة.

وقت البروفيسورة دائمًا ضيق ومقابلتها تتطلب موعد مسبق فلا يجوز أن تطرق الباب وتدخل بدون موعد مرتب معها، فهي لا تعمل داخل المختبر بل لديها فريق بحثي كبير ومدراء مجموعات صغيرة ممن أنهوا الدكتوراة وبذلك وظيفتها ترتكز على نشر الأبحاث العلمية والمشاركة في كتابة كتب وكذلك المؤتمرات، ولديها يوم في الشهر لمقابلة الطلاب كل على حدة في جدول يتم تحديثه دائمًا في حال دخول طالب جديد أو إنتهاء آخر.

أنهيت قراءة ما أعطتني إياه طالبة الدكتوراة  سيمونا وكتبت لها خطة صغيرة عن التقنيات التي سأبدأ بها وعن الأمور التي ليس لدي خبرة بها بعد، فقالت لي ( المهم الأساسيات معلومة وباقي الأمور أنتي هنا لنعلمك إياها ).

كان مشروع سيمونا هو البحث عن الجين المسؤول عن مرض التوحد وعن الطفرات الموجودة فيه، وكانت مهمتي أن أحلل خريطة هذا الجين، من خلال استخلاص DNA لمائة مريض مصاب بهذا المرض، ولكن تحليل جين ويدعى SHANK2 كان أمر مرهق جدًا لإنه طويل وقامت سيمونا بتقسيمه إلى إكسونات ( الإكسون : هو الجزء الفعال في الجين ).

ما أثار دهشتي أيضًا في هذا المختبر هو العمل الدؤوب والسرعة في إنجاز العمل والتعاون المشترك بين الأفراد جميعًا وكأنهم شخص واحد، وذلك من أجل الإسراع في النشر نظرًا لأن هناك تنافس كبير في هذا المجال بين المجموعات البحثية في العالم وبالتالي إن سبق أحد بالنشر في نفس الموضوع فإن العمل يصبح مجرد إعادة وتوثيق لعمل آخرين.

رغم الإجهاد في العمل إلا إنني كنت سعيدة عندما تعلمت قراءة خرائط الجينات البشرية، ومعرفة أين توجد الطفرات والبحث إن كانت هذه الطفرات قد أكتشفت بعد أم لا من خلال قاعدة بيانات عالمية، كنت سعيدة بالسيمنارات والمشاورات التي كانت تتم فيها، وصراحة أكثر ما كان يعجبني هو البروفيسورة رابولد بهيبتها وقدرتها العلمية ورقتها كأنثى أيضًا، فهي في النهاية أم لشابين كما علمت من زملائي وأمومتها وواجبها المنزلي لم يفقدها أن تتفوق في مجالها وتصبح رئيسة قسم الجينوم البشري في مستشفي هايدلبرغ الجامعي، وما كان يلفتني دائمًا دقتها في المواعيد ففي الساعة الثامنة صباحًا تجد سيارتها تقف في مكانها، وأغرب ما لفتني أيضًا في هذا المختبر هو العمل كخلية نحل حتى في غياب البروفيسورة، كل شخص يعمل بشكل طبيعي، وكل يأتي إلي عمله تمامًا كما لو أن البروفيسورة موجودة.

في النهاية استطاعت رابولد وسيمونا والفريق البحثي في عام ٢٠١٠ أن يضربوا ضربة علمية قوية باكتشافهم طفرات في الجين Shank2  المتسبب في مرض التوحد ونشرهم البحث في نيتشر التي تعد من أفضل المجلات العلمية وأصعبها، وهنا في هذا الرابط تجدون البحث الذي يذكرني دائمًا أنني كنت جزء ممن عملوا فيه ولو كان بسيطًا

الجين المسؤول عن التوحد

ولكن بعد خبرتي من أصعب المختبرات والفرق البحثية تلك التي تديرها إمرأة.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك