رسائل مشفرة

22 ديسمبر , 2015

أكملت فصلاً من تعلم أساسيات الأحياء الجزيئية العملية مضحية بذلك بنصف سنة من دراسة الماجستير، وفيها بدأت عامًا جديدًا أردت أن أنسخ فيه ذكريات سنة كاملة من النحت في صخور العلم وأفتح مجرى لمياه قد تجري بيسر إلي البحر الكبير. 

في عودتي كان لي أن أبدأ نظام الدوران في المختبرات Lab Rotation، أسبوع في كل مختبر في معهد السرطان الألماني أو المعاهد المجاورة المختصة في الأحياء الجزيئية، مدة التدريب أسبوع، تتعلم فيها أكثر من تقنية علمية تكون مختلفة عما سأتعلمه في المختبرات اللاحقة، وهنا القصد منها هو التدريب على تعدد الخبرات والاحتكاك المباشر بطلاب الدكتوراة أو الباحثين في كل مختبر وكذلك التدريب على تحمل الضغط من خلال ممارسة العمل والسرعة في  كتابة التقارير العلمية لكل أسبوع.

 

هنا لا أنكر برغم إحساسي ببعض القوة بأنني أعددت نفسي بأهم الأساسيات، إلا إنني كنت أرتجف عند سماعي بأي تقنية جديدة، ولكن بفضل الله نصحني زميل مصري يدرس الدكتوراة وهو الآن دكتور وأستاذ في جامعة عين شمس في القاهرة، أن لا أظهر لأحد عدم فهمي أبدًا لأي شيء، لإنه مجرد الإحساس بعدم الفهم يعطي للبروفيسور إيحاءاً غير جيد، بل بدلًا من هذا أن أقرأ دائمًا عن المختبر العلمي الذي سألتحق به من خلال صفحتهم الإلكترونية وأتعرف على تجاربهم وأبحاثهم والتقنيات التي يستخدمونها. 

وفعلاً وضعت كلام الدكتور الفاضل أحمد عاشور حلقة في أذني وبدأت عهد أخر في طريق العلم.

لم تكن هذه النصيحة طريقة لإخفاء رهبتي من تقنية لم أسمع بها في حياتي، بل كانت نورًا من علم يضيء غموض مختبر علمي لاحق، حتى أسماء الأشخاص لم تكن غريبة عني أيضًا، لإنني تعرفت عليهم من خلال أبحاثهم.

رسالة مشفرة أخرى أرسلها لي باحث علمي تركي في إحدى المختبرات التي وجب علي التدرب فيها، أن أتعلم فن تصوير التقنية من صاحبها!!

وقد قصد أن أتابع من يقوم بعمل طريقة معينة مثل صبغ الخلايا الحية وأخزنها في رأسي، فأحسست أن طاقة التركيز لدي تضاعفت، فأخذت أحفظ عن ظهر قلب طريقة عمل أي تقنية من مجرد المتابعة ثم إعادة عملها وحدي.

حتى في سيمنارات الفرق البحثية المختلفة التي تلقيت تدريبي لديها أخذت حصيلة خبرتي تزداد ومراقبتي لشرح النتائج الدوري باستخدام الPowerpoint وطريقة مداولة البحث والوقوف على نقاط الضعف ومحاولة الفريق البحثي بإعطاء أرائهم وخبرتهم لتطوير البحث .

الرسائل التعليمية وأداب الحوار كانت تشدني أيضًا، حيث كل من يحضر السيمنار يحترم الرأي والرأي الأخر، فلا يغضب أحدهم إذا قيل له إنه على خطأ وإنه كان عليه تحسين عمله لكذا وكذا، فالنقد دائمًا كان بناءًا والحوار أحيانًا يمتد من وقت السيمنار حتي العمل علي طاولات البحث في محاولة لإحياء روح العمل الجماعي.

انتهت أسابيع الدوران في المختبرات واشتد عودي وتبدلت مخاوفي من الخوف من المضي إلى درب جديد، إلى هموم أي الأبحاث أكثر متعة لألتحق به وأي بروفيسور له اسم لامع اتطلع  لفرصة التدرب في مختبره لأزيد من خبرتي وأَضع قدمي على بداية طريق مشروع صغير يحمل اسمي. 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك