التَخَصُص الجامِعِي بَيْنَ الطُموح وبرُوتوكُولاَت المُجتَمع

13 سبتمبر , 2017

تعوَّدنا في طفولتنا على سؤال يُردِّده أساتذتُنا على مَسامِعِنا: ماذا تحلمُ أن تكُون عندما تكبُر؟ وكالعادة كان 90% من الأطفال يختاروا الطب:

“أحلمُ أن أكون طبيبة حتى أُعالج أمي وأبي، والمرضى بالمستشفى، والفقراء والمساكين…”، أجمل ما في الأمر هي البراءة وصِدق القول وحُب المساعدة من القلب.

 

كُـــــــــــــن مُختلِفًا

كُنت مختلفة عن الأطفال لم أجد إجابة على السؤال مُبكِّرًا، كَوْنِي لم أرى شيئًا في العالم بعد حتى أقرر ماذا سأكون، هذا الوقت الذي لم أُتقن فيه تسريح شعري بمُفردي دون مساعدة أُمي، لم أُفلح في خِياطة الملابس لدُميتي، لم أنجح حتى في قصِّها، كيْف لطفلة بعُمري ذاك أن تعرف ما هو الطُموح وما هو المُستقبل، وهي ترى العالم مجرد مساحة للعب والمرح، لم يخطُر في بالها أنَّها ستكون يوْمًا ما مسؤولة عن اختياراتها.

 

قد يكُون هُناك أطفال أذكياء جِدًا، حتى أنَّك تُلاحظ إصرارهم وثقتهم، وفِعلاً يُحققون ما قالوه بلسان البراءة، لكنَّ البقية كانت بالنسبة لهم مجرد أقوال غير مسؤولة نسوْها عندما وصلوا لليوْم المنشود وتحصَّلوا على شهادة البكالوريا…

في ذاك الحين تجد بعضهم جالسين بين الأهل والأصدقاء وجمُوع الأقارب يتشاورون حول رسم معالم وحدود الشخص الناجح، وكأنَّهم سيتعبون ويدرسون بمكانه، طبعًا قد ينجرف وراء رغباتهم، في حال أقنعوه ببروتوكول ما.

مثلًا: “اختر الطب يا بني حتى تكون ذا مكانة في المُجتمع، ستكون مشهورًا وينظر إليْك الجميع بإعجاب، لا يهم ماذا تحلُم أن تكون فالمكانة الأرستقراطية التي ستحظى بها في المجُتمع ستُنسيك أحلام الأطفال…”

هناك آخر يختارون له أن يكون أستاذًا بالمدرسة العليا، لكنّه يُفضل وُلوج المدرسة البحرية فداخله يهيم حُبًا للمغامرات، لوفي المقابل يفضل أهله أن يكون أستاذًا يحترمه الجيران، جادًا وقريبًا من أُسرته وهُنا نجد البعض يتمسَّك بحُلمه ويُحاول إقناعهم به، وقد ينجح ويدخل المجال الذي أحبَّه، أو يرضخ ويُساير مِزاجهم لأنَّهم هددوه بعدم رضاهم عنه في حال مال عن المسار المُخطط له.

 

قد أكون أطلت قليلًا في التمهيد للموضوع لكنَّه هو اللُب والحقيقة التي نعيشها في مُجتمع يقطع حبل الإبداع، وبدل أن يُساهم في بناء ثقافة جيل مُختلف الطموح، يزرع بذرة التشابه فنجد الصراع من أجل الشُهرة بدل التنافس من أجل التطور وبناء الفكر والحضارة.

 

لا تستغنِي عن حُلمِك

أنا عن نفسي عندما التحقت بالمتوسطة قررت أن أدخل مجال الإعلام وكلّ من يسألني عن ماذا سأكون مُستقبلاً أقُول لهُم صحفية، كان ولا يزال يخفق بداخلي لليوْم رُغم اختياري لتخصُصٍ آخر، ليس إرضاءً لمن حوْلي، بل إعادة ترتيب لميُولي واهتماماتي عندما لم أتحصًّل على المُعدل المطلوب لدخول كلية الإعلام والاتصال حزِنت قليلًا أحسست في تلك اللحظة أن حُلمي انهار وليس من سبيلٍ إليه، كُنتُ سأرضى بما سيختاره أهلي لي، وأنّي سأدرس فقط وانتهى الأمر، فكل المجالات جيدة، قد أُحبّها وأُبدعُ فيها…

 

لكن في تِلك اللحظة خَطر على بالي مجال آخر بدأت بالتفكير فيه، انتابني الفَضول حياله خاصة وأنَّه ليس بالبعيد جدًا عن مجال الإعلام، إنَّه تخصُّص العلوم السياسية حينها قُلتُ لأبي سأختار السياسة، وكان ردُّه بالرفض القاطع!

 

سجلت في مجالات أُخرى حسب رغبه أبي، لكن لم يتم الأمر وشاء الله أن أُعيد التسجيل مرة ثانية، وكان اختيار العلوم السياسية في الخانة الثالثة وكلُّ شيء تمَّ حسب رغبتي والحمد لله وتم إدراج اسمي ضمن الاختيار الثالث ودخلُت الجامعة وكُلِّي فضول للتعرُّف على خبايا هذا التخصص، فتصادف الأمر أن كانت لنا مادتين اختياريتين هما الإعلام والاتصال وعلم الاجتماع نختار إحداها لدراستها في فصلٍ واحدٍ فقط، والأكيد أنّي اتجهت صوب مادة الإعلام ودرستُها هي ونجحت في امتحانها، فعلى الأقل جرَّبتُها وتعرَّفت على عناصر مُهمة، أكملت سنواتي الأولى… تحصلت على شهادة ليسانس، لم أتوقف عند ذلك الحد بل واصلت الماستر وتخرَّجت في سنة 2013.

 

أبصِر النور في آخر النفق

من هُناك بدأ طموحي يتسع أكثر ولم يعد لي سقف، بل عيْناي اتجهتاَ صوْب سماء أحلامي التي تتسع لكلِّ جميلٍ ساكنٍ بالقلب، بدأتُ أُحضِّر لاجتياز امتحان الدكتوراه، وهُنا بالذات جرَّبت أمراً لم أعشه ولا مرة في مساري التعليمي، ألاَ وهو الفشل: “اجتزت امتحان الدكتوراه بجامعة قسنطينة 3 وهو قُطب جامعي بُني حديثًا يتضمن تخصصات عديدة وإقامة جامعية للطلبة الدارسين لمختلف المجالات بالقطب، قُلت بنفسي هل يا تُرى سأدخل لكليتنا الجديدة بعد أن يكون اسمي ضمن قائمة الناجحين الستة بالمسابقة، لكن لا لم يكُن اسمي في القائمة…

 

كان اسمي  الأول بقائمة الاحتياط، فقد نجح ستة فقط وأنا كُنت السابعة، أحسست أني صعدت وحينما قاربت على الوصول للدرجِ الفاصل تعثّرت وتراجعت للوراء بخُطوة، لا أُخفي أنَّنِي بكيت كثيرًا عشت إحساسًا مُختلفًا تمامًا عماَّ جرَّبتُهُ قَبْلاً، لكن مسحت دموعي وقررت خوْض التجربة بمكانٍ آخر، بعد أن تلقيْت التشجيع من صديقاتي، والأكثر من أمي التي حملت ملف التسجيل وأسرعت نحو الجزائر العاصمة وقامت بتسجيلي في آخر يوم مُحدد لذلك، كانت واثقة بأنَّنِي سأنجح، رأيتُ بِعَيْنَيْهَا إصراراً وتحدياً.

 

ذهبتُ واجتزت الامتحان، وكان النجاح المُنتظر، حينها أدركت أنّ ربي قدٍّر لي دراسة هذا الطور في مكان آخر :”في جامعة الجزائر 3″، لأعيش تجربة جديدة وأتعرَف على زملاء جُدد، حتى أكتسب الخِبرة وتتسع مداركي أكثر، الحمد لله على نعمة النجاح وفرحته التي لا تُقدٍّر بثمن، كان عامًا ممزوجًا بالفشل الذي أخذني نحو النجاح، صحيح أننا نتعلم من فشلنا ومن عثراتنا: “لكُلّ جوادٍ كبوَة”.

 

قررت دخُول كلية العلوم السياسية بإصرار ورغبة جامحة في تعلُّم شيء جديد، فهل يا تُرى:” لأنَّ أختي طبيبة يجب أن أكُون مثلها؟! أم لأنَّ أخُتي أستاذة يجب أن أتبّع مسارها؟! ونفس الأمر بالنسبة لأخي الذي اختار الكلية التي حلم بها منذ صغره، وحقق ما يرنو إليه بكلِّ ثقة… جعلتُ منهم قُدوتي في الإصرار ومواجهة التحديات، وحاولت أن أضع لمستي الخاصة واتجهت نحو مجال الأدب والفلسفة في الثانوي عكس ما اتجه إليه أفراد أُسرتي، حتى أبي وأمي سانداني في اختياراتي، وكما يُقول المثل: من سار على الدرب وصل“.

 

النتيــــــــجة المُستخلصة

تمسَّك بحُلمك، وحاول دائمًا أن تخُوض غِمار الفشل، فهو لا يعني أنَّك لا تستحق أو أنّها نهاية العالم، كما قال (هنري فورد): “الفشل ليس سوى فرصة لتجربة طريق آخر”

 

الفشل الحقيقي أن تبقى في مكانك تبكي على الأطلال، كلَّ مرة تسقُط فيها حاول الوقوف من جديد، حتى لو حَبْوًا المُهم أن تفعل ولا تبقى بمقعد المتفرِّج، حاول أن تُحب مجالك حتى تستطيع أن تُبدع فيه، تعلَّم لأجل أن تترك الأثر الطيِّب وتُفيد من حوْلك، ولا تكُن أنانياً، فالحياة مشاركة للعلم كما هي مُشاركة لفرحة النجاح.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك