تحطيم العادة: كيف شارك أساتذتنا في بناء مستقبلنا؟

3 نوفمبر , 2017

تَعوَّدنا منذُ بدايةِ مسيرِنا التعليمي على مبدإِ التلقين بأخذِنا للمعلُومة دون مُناقشتِها، لا ألوم الأستاذ بل كلُّ العَتْب على واضعِي البرامج التعليمية، التي تُشارك في إخماد خلايا الإبداع لدى الطِفل.

نجد أنَّ ساعات الدراسة طويلة جدًّا، والنشاطات الترفيهية بين الحصص الجدِّية نادرة، وفي بعض المدارس مُنعدمة، نُجهِد الطفل في الحفظ؛ لأنَّ ما ترسَّخ في أذهانِنا قائم على كوْنه صفحة بيْضاء؛ لذا وجب اغتنام الفُرصة وحشو دِماغِه بالعُلوم الكثيرة، تناسيْنا أنَّه فضولي؛ فبدل أن نُعطيه المعلومة جُملةً وتفصيلًا، ونُعاقبه على عدم حِفظها بغباء، نُغيِّرُ الأمر نحو طرح أسئلة أكثر، نُعطيه فُرصةً لإيجاد الجواب الْمُناسِب في ضوء الاقتراحات والبدائل التي نوفِّرها له.

 

 «يعشق الطفل اللعب والبحث عن الأمور الغامضة، كحُبِّه لُعبة الغميضة والبحث عن صديقه المختبئ في مكانٍ ما، أو لُعبة البازل ومحاولته تنظيم القِطع ووضعها في المكان الْمُناسب،  نعم الطِفل بحاجة إلى التجارب وتنشيط عقله، وأنواع الألعاب التي يُفضِّلها كثيرة، فلماذا لا نُجرِّب إسقاطَ التسلية على الواقع؟».

 

سأُحاول الحديث عن محطاتٍ قدِيمة، ما تزال قابِعةً في ذاكِرتي إلى اليوْم، أُمور حَصَلَتْ في المدرسة، والجامعة شاركت في تكوين شباب واعٍ ناجِح، ليْس لأنَّ الأستاذ قام بشيءٍ خارق للعادة، إنّما قام بالاهتمام بأحلامِ طلبته، الاستماع لهُم، كسر الرتابة القائِمة على تكديس المعلومات، التي ما إن نخرُج من الحِصَّة حتى تتلاشى ولا نحتفظ إلاَّ بالقليل منها، النقاط التي سأتناولُها صادِقة جدًّا نمت بذُورها لتكون هُناك شخصياتٍ ناجِحةً شارك في إطلاق شَرارتِها الأولى الأستاذ، سواءً بنصائِحه أو بتوْبيخه… كلُّ ذلك لمصلحتِنا.

 

صِناعةُ الأَملِ

درَّسَ لنا في السنة أولى من المرحلة المتوسَّطة أستاذٌ طيِّبٌ جدًّا، لم يكن دائمًا، بل لأيامٍ قليلة فقط، ترك داخِلنا طاقة عجيبة، حاول أن يُعرِّفنا بأنفُسِنا قبل أن يضغط عليْنا للحصول على نقاطٍ جيِّدة، كان يترك لنا وقتًا للراحة داخِل القسم، يُجري لنا مُسابقات فِكرية يطرح خِلالها أسئلة مُتنوعة، أما الجائزة فمختلفة جدًا، ليْست مادية، إنَّما معنوية يقُوم بمدح صاحب الإجابة الصحيحة، وتذكيره بأنّه سيكون متميِّزا في المستقبل، طبعًا الأسئلة كانت سهلةً نوْعًا ما، لكنَّ المسابقة معنوِيًّا ثريَّة بالأمل.

كان مُبدِعًا في دقائق الترفيه، فبعد انتهاء الدرس اقترح أن نصعد بالتوالي إلى المصطبة، يقُوم هو بسؤالنا: عن الذي نُريد أن نكُونه في المُستقبل؟

 

أتذكَّر أنَّ أحدهم كان يحلم بتقديم نشرة الطَّقْس، قال له الأستاذ تخيَّل نفسك الآن على الْمُباشِر أنت الآن في المستقبل، حاول تعريفنا بأحوال الجو لنهار الغد، فعلًا نجح بذلك، كان رائِعًا جدًّا أتقن التقديم بطريقة رهيبة مع أنَّه خَجِل في المحاولة الأولى، لكن كرَّر الأمر بتفوُّق كبير، استمر الأمر مع آخر أراد أن يُصبح مُعلِّقًا رياضيًّا، وهكذا حتى انتهت الحِصة، لكنَّنا لم نُكمل معه السنة الدراسية، إذ كانت تلك آخر حصصه معنا…

أكملنا ذلك الطور، كلُّ واحد منَّا انتقل إلى مدرسة أُخرى، في مرحلة تعليم جديدة، لكنَّنا افترقنا بأملٍ كبير، لا أدري حال التلاميذ الآن، أيْن هُم؟ وهل حقَّقوا أحلامهم حقًا؟ لكنَّ الثقة التي زرعها الأستاذ داخلهم ستُزهر يوْمًا ما.

 

القسوة مُفيدة أحيانًا

درَس لنا مادةَ الفلسفة في مرحلة البكالوريا أستاذة هادِئة، صبورة ما شاء الله! لأن قِسمنا كان معروفًا بشغب طلَّابه، أغلب الأساتذة يشتكون من عدم المبالاة فيه، كانت تتعب في إيصال أفكار الفلاسفة، إذ كانت هناك فئةٌ تُمارس الشغب بإتقان كبير، هددتنا في مراتٍ كثيرة بأن تتخلَّى عن تدريسنا، لكنَّنا في كلِّ مرة نطلب منها السماح، ويفعل المشاغبون نفس الأمر، لا يتركونها حتى تبتسم…

لقَّنتنا في أحد الأيام درسًا لا يُنسى: “بأنَّنا في مرحلة حرجة، وأنَّ عدم المبالاة هذه سنتجرعُها نحن بالندم حين ظهور النتيجة، وبأنَّ سلوك المشاغبين سيؤثر على الطلبة الراغبين في النجاح، ألقت عليْنا كلمات قاسية، ردَّت إلينا الوعي، فبقاؤُنا على هذا الحال سيقف حاجزًا أمام اجتياز الامتحان، سيحرمنا لا محالة من دخول الجامعة، بل سنسبح في فشلنا إلى ما لا نهاية…”.

 

لا أدري ماذا حدث بالفعل، كانت نسبة الناجحين في قسمنا المُشاغِب كبيرة بعد اجتياز البكالوريا، فنصائِح الأستاذة مفعُولها إيجابي، لم ألتقِ بها، لكن الأكيد أنها فرحت بالنتيجة.

 

من فِكرة إلى حقيقة

أعُدُّ الدراسة في الجامعة سلاحًا ذو حدَّين، في الجامعة ننضج أكثر، يكبر عندنا حسُّ المسؤولية، نُجرِّب الاعتماد على ذواتِنا، قد نصل إلى مراحل مُتقدمة، نكسب شهادات عُليا… طبعًا الأمر جميل، لكن ليس بمقبول أن ينتهي مسارُك بالبطالة…

في الجامعة هُناك من يصل إلى أعلى المرَاتِب، لكن للأسف يُصيبه جنون العظمة، يظُن أنَّ العالم كلَّه ينظر إليه بإعجاب، وبدلًا من أن يُقدِّم شيئًا نافِعًا يليق بمستواه، يعيش على التصفيق والأضواء، أي يتحوَّل من عقلٍ ذي قيمة، إلى ذاتٍ مُتسلِّطة مُستبدة تتلاعب بأحلام الناس وطموحاتِهم.

«لستُ أبعث بالتشاؤم بكلماتي، لكنَّني أضع النقاط على الحُروف، أخبر البعض بأنَّ دخول الجامعة ليس دخُولاً إلى الجنة، بل إلى حلبة صراع قد تخرجُ منها خاسِرًا لوظيفة أو حُلم، لكن إذا اجتهدت ستخرج بعلمٍ أكبر، والأكيد أن الله سيرزُقك كلَّ جميل، ما دُمت تسعى لتقديم الأفضل لمُجتمعِك وأمَّتك».

 

لكي أكسِر الجدِّية قليلًا، سأحكي لكم عن زميل دَرَسَ معي في الجامعة، كان فصيحَ اللسان وصوْتُه مميَّز، الجميل في الأمر أنَّ الأساتذة أعطَوْهُ ملاحظاتٍ إيجابية، بأنَّ صوته سيساعده على دخول مجال الإعلام إن فكَّر في ذلك مُستقبلًا، فِعلًا مرَّت السنوات، وتصادَفتُ به يُقدِّم حصصًا في التلفزيون، طُموحه أوصله، وقد يكون لتشجيع الأساتذة أثرٌ كذلِك، والأجمل أنَّه متواضِع، كُنتُ قد علَّقت على منشور خاصٍ به، تمنَّيت له التوفيق، فردَّ علي برسالة مفادُها: أنَّه سعيد بمعرفة أخبار زملائه، وتمنى أن نكون بخير.

 

 

“يُمَثِّلُ الأستاذ حافزًا أساسيًّا في الْمُجتمع، هو أحد الأعمدة التي إِنِ انهارت تهدَّم مُستقبل الجيل، فالساعات التي يُمضيها التلميذ والطالب على مقاعِد الدراسة تفوق الساعات التي يقضيانِها في البيت، وكلمة إيجابية منه كفيلة أن تُغيِّر المسيرات”

الأمثلة التي ذكرتها دليلٌ واضِح على ذلك، فشكرًا لكلِّ مُعلِّم أعطى من وقتِه ومعارفه، لأجل أن يبني مُستقبلًا يُشِعُّ بالأمل مع صعوبة الظروف وتأزُّم الواقع.

 

النتيجة المُستخلصة

– في داخل كلٍّ مِنَّا كوكبٌ مُختلف، فيه من الأفكار العجَب العُجاب، لكنَّنا لم نتعلَّم بَعدُ طريقةَ استفزازِ العقلِ البشريِّ بِذكاء، سننجح وَفق حالاتِ البناء هاته في تكوِين إطارات متميِّزة، مُختلة وباهرة، وذلك بتحطِيم عادات التلقِين العقيم.

– سيتمخَّض عن الاستمرار بذاتِ الرتابة، جيلٌ مُتشابه في التفكِير، جيلٌ يخَاف من العطاء يخشَى وُلوج التجارِب، فالنتائِج المادِية عنده أهم من كلِّ شيء، وهذا نابِع من تجاهُلِنا للقِيم الْمَعنوِية.

– سَننجَح باستعمالِ عاطِفتِنا بذكاءٍ عَفْويٍّ، ما سيسمَح بتفجيرِ الطاقات، ويُشارك في سقي مُجتمعاتِنا العطشى إلى الإبداع، فتُزهر أشياء جدِيدة تُضِيء كهفَ الجهلِ المتوارَث.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك