حرب المبادئ ضد الغش

25 نوفمبر , 2017

في أثناء دراستي في الثانوية العامة تعرضت لضربٍ جماعيٍّ من قبل مجموعة من الطالبات بعد انتهائي من إحدى الامتحانات الوزارية النهائية المقررة؛ فما السبب؟
منذ أبصرَتْ عيناي النورَ ووطِئَتْ قدماي المدرسة ربَّاني والداي على نيل القِمَم بجدارتي واجتهادي، وعدم اللجوء نهائيًّا لطرقٍ ملتوية كالغش؛ لأن الطرق المختصرة خاضعة دائمًا تحت مجهر الشك، وأن مجرد تفكيري بهذا الأمر كفيل بأن يطيح بي في قائمة المذنبين، أتذكر أنني كنتُ أحدث والدِي ووالدتي عندما كنتُ في مرحلتي الابتدائية عن التلميذات اللواتي يقمن بالغش في الامتحان، ويحاولن استراق النظر إلى ورقتي أو حتى يقمن بوخزي بأقلامهن لأقوم “بتغشيشهن”. كانت كلمات والدي ولم تزل حاضرةً في ذهني للآن :

“أن تحصلي على صفر في الامتحان أفضل من علامة كاملة مُنَمَّقَة بفضل الغش، لا تغشي، ولا تغششي، فما بني على حرام؛ فهو حرام “.

 

تبنيتُ هذا المبدأ طوال فترتي الدراسية انتهاءً بدراستي الجامعية أو أي امتحان أقوم به في حياتي العملية.

فكنت أتعجب من تصرفات بعض الطالبات اللواتي يقمن بالغش في الامتحانات وإحضار “براشيم ورقية” تقوم والداتهن بكتابتها لهن. عجبًا!! فكيف يربي الآباء أبنائهم على ذلك!! وكنت أرفض صداقتَهن أو حتى التحدث إليهن رفضًا. وحمدًا لله؛ فقد كنتُ دائمًا من المتفوقين الأوائل بجدارة.

 

الثانوية العامة والصدمة الكبرى!!

الثانوية العامة وما تحمله من رهبة وخوف في قلوب الطلاب وذويهم! بدأتُ مرحلةُ الثانوية العامة بهمة عالية وتصميم موازٍ لهمتي كذلك، ولكن لم تلبث تلك الهمة وذلك التصميم حتى انضمت إليهما حربُ مبادئٍ شرسةٌ ضد الغش، صُدمتُ بشدة عندما بدأتْ عامي الدراسي الجديد بوصايا بعضٍ من المعلمات في مدرستي بالاجتهاد الدراسي بالإضافة للغش “بحكمة”! فكيف اجتمع الغش والحكمة معًا في نصيحة من مربية أجيال فاضلة!! كنت أعترض على ذلك بشدة، وأمتعض بمجرد سماعي لتلك الكلمة، وخصوصًا إنْ كانت تنفثُها “صانعة أجيال” كنتُ أخبر والديَّ بجميع ما يحدث في مدرستي، وكانا يخبرانني بكمية الفساد المتناقل بين الأجيال في مجتمعاتنا، إن كانت إحدى المعلمات تقوم بإلقاء ذلك النوع من النصائح إن جاز وصفها بـ “نصائح”، فقامت أغلبية طالبات الصف بتبني تلك “القنابل الذرية” الملقاة من قبل بعض المعلمات برحابة وسرور!

جاء وقت الامتحانات النهائية الوزارية، إذ كانت تقسيمات قاعات الامتحان تضم طالباتٍ من مدارس خاصة أيضًا، وعلى ما يبدو تم حشوهن بنصائح “الغش الحكيم” أيضًا، فقد كانت قاعة الامتحان تضج بأصوات الطالبات وهن يقمن “بأعمال الصيانة” لأجوبة الامتحان، ولكم أن تتخيلوا كمية التركيز المتوافرة حولي في أثناء حلِّ امتحاني آنذاك، وأمَّا بالنسبة لمراقبات قاعة الامتحان فقد كنَّ يساعدن أيضًا في أعمال “الصيانة” تلك، وإزعاجهن المتكرر لي لحثي على كتابة بعض الأجوبة على مناديل ورقية لتمريرها للأخريات، فقد كنت أرفض ذلك باستمرار، كنت أعود أدراجي إلى البيت أبكي من صعوبة أسئلة الامتحان وعدم توفر جو الهدوء في القاعة للتركيز، ذهبت بعد ذلك الامتحان لمشرفة قاعات الامتحانات في مدرستي، وأخبرتها عما يحدث في القاعة، وعدم قيام المراقبات بعملهن كما يجب، بل مساعدتهن أيضًا للطالبات في عملية تناقل أجوبة الامتحان، والأهم من ذلك تشويشهن وإزعاجهن المتكرر لي بالمناديل الورقية، فما كان من مشرفة القاعات إلا القيام بعمليات تفتيش دقيقة للطالبات قبل بداية كل امتحان.

أتذكر خلال إحدى عمليات التفتيش بشروع إحدى الطالبات بالبكاء المجهش وهجومها علي في القاعة وتهديدها المستمر لي على الرغم من محاولات إسكاتها من قبل مشرفة القاعات، ولم تهدأ إلا عند تهديدها بطردها من قاعة الامتحان فعلى ما يبدو أنها تحضَّرت لسلك طريقٍ مختصرة للنجاح، انتهى امتحاني الأسطوري المتسم بالدراما بهدوء تامٍّ وتركيزٍ عالٍ، وذهبتُ بعد أيام استعدادًا لامتحاني التالي، وأتممته بذات التركيز، ولكن ما إن انتهيت من الامتحان، وفي أثناء توجهي للمنزل فوجئت بمجموعة من الطالبات على باب المدرسة إذ قمن بضربي جماعيًّا، ودفعي من أعلى الدرج، وفوجئتُ بانضمام والدة إحدى الطالبات لتلك المجموعة، وقامت بشتمي وتهديدي إن قمت بالتبليغ عن الغش ثانيةً، ولكن لحسن الحظ كان والدي ينتظرني على بوابة المدرسة وأظنه قد لمح تجمُّع تلك المجموعة حولي وقام بالتدخل وتوبيخهن فقامت والدة إحدى الطالبات بالبصق في وجهي، وإلقاء جملة في وجه والدي قالت فيها حرفيًّا: “ربِّي بنتك الوقحة”!! ومنذ ذلك الحين ووالدي ينتظرني على بوابة المدرسة لحين انتهائي من الامتحان، وأعتقد أن تلك الحرب استحقت ما تعرضت له، فقد كانت امتحانات الفصل الثاني في بيئةٍ أشد صرامةً وأكثر تركيزًا!

انتهيت من مرحلة الثانوية العامة بمعدلٍ تراكمي يعادل الـ 89% في الفرع العلمي؛ فلم يرضني هذا الرقم شخصيًّا، ولكن كان كفيلًا لبث الفرح في قلوب العائلة! وعند دخولي الجامعة اندهشت لتكرر مظاهر الغش نفسها بين الطلاب، ولكن صرامة مراقبي الامتحانات سيطرت على الوضع.

أتذكر جيدًا إحدى المواقف في أثناء إحدى امتحاناتي النهائية في سنتي الرابعة في كلية التمريض، إذ لم ينفكَّ أحد الطلاب بركل درجي ومناداتي بصوتٍ خافت ظنًّا منه أنني سوف أقوم “بتغشيشه” _مش عارف مع مين وقع_ فما كان مني إلا التبليغ عنه لأحد المراقبين المنتشرين في أنحاء المدرَّج.

كانت تلك المظاهر تثير الغضب في داخلي، وتستحضر دوامة أسئلة مبادئ التربية والاستقامة في جميع نواحي الحياة؛ فكم من طبيب أو ممرض أو أي مهنة أخرى تخرج باعتماده على أساليب الغش الملتوية، ووجد نفسه جاهلًا في مبادئ عمله الذي قد يستلزم التعامل مع نفوس بشرية قد يهوي بها إلى الهلاك!!

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك