رحلة التعليم في الخطر!

25 أبريل , 2018

طالبةٌ فلسطينية! أصبحتُ الآن في ربيع عُمْرِيَ الأول، مررتُ بتجاربِ رجلٍ خمسيني شارك في حروبه ومعاركه مع الحياة، السنوات التي قضيتُها في التعليم الأساسي والثانوي والجامعي، تخللها ثلاثُ حروب، الأولى في الإعدادية، والثانية بمرحلتِي الثانوية، والأخيرة في الجامعة، بخلاف حروبنا التي خضناها مع طبيعة حياتنا شبه الصعبة، علَّمتنا قيمة الصبر، وحلاوةَ أن تأخذ ثمرة جهدك بعد تعب عامٍ كامل.

 

حين وصلتُ إلى مرحلة الثانوية العامة كنتُ قد سئمتُ من محاولة الوصول لعلامات الامتياز، كان مستوايَ جيد جدًّا فقط، كنت أقل إخوتي تحصيلًا للدرجات، ولكن كنتُ أكبرَهم، وكانت أول مرة أشعر أني أحمل مسؤولية مظهر أبي وأمي أمام عائلتنا، كانت أمي تطلب مني النجاح بمعدلِ جيد جدًّا، لكنني أصررت على تغيير المعادلة لصالحي، ونجحت في ذلك، تعلَّمت خلال أعوامي الدراسية أن العلم يرفع والجهل يُخضِع، تعلَّمت أن توزيع الدرجات لا يُهم بقدر توزيع ما اكتسبتُ من علوم وثقافات في عقلي، وترتيب أولويتها، وإظهارها في لكنتي وتصرفاتي، أمام أعوامي الدراسية الأربعة، جامعتي، تخصصي، أصدقائي.

 

الثامن وعشرون من أغسطس لعام 2017 كنت قد أنهيتُ كتابة السطر الأخير من ورقة إجابتي، لا أعرف كيف أخفيتُ مشاعر فرحتي بانتهاء مشواري، كأني كنت بصحراء، ومررتُ بعدها بجزيرة، اختلفت الطبيعة خلال مسيرتي الجامعية، الآن اتضحت لدي الصورة كاملةً، لا أعلم إن كان المسافر يلتفت فور وصوله لقياس المسافة التي قطعها؟!

 

لكنِّي الآن التفتُّ لقياس حجم البهجة التي حملتها تلك الأيام، حقًّا إنهن أجمل أربع سنين قد يمر بها الإنسان في عمره، سأكون غريبة بعد اليوم، لا مطرح لي سوى في قسم الخريجين الذي يطرد زائريه بمجرد تسلم ورقة مطبوعة، ورقة تُلخص أنه قد أنهى دراسة تخصص واحد، لكن في الحقيقة نحن لم ننهِ دراسة تخصص ما، بل أنهينا تكوين معتقدات وتشكيل شخصياتنا وترتيب علاقاتنا، خرجنا بثقافة شعوب وأمم، تعرَّفنا إلى عقول الآخرين، بحجم عمق نقاشتنا الأخيرة حول مستقبلنا وكيف سنتعامل مع واقعنا من بعد اليوم، نعم هي ورقة تظلم حجم عقولنا، لا تقولوا ليتنا لم نتعلم أو نغامر في رحلة أربع سنوات، لم تذهب كسرابٍ بِقِيعَة.

 

أما عن حياة التسكُّع، فإنها الأجدر بالذكر، أن تكون طالبًا جامعيًّا يُغنيك عن سؤال “وين ما بتبين” يغنيكِ عن سؤال “متى حتفرح فيكِ” حياة التسكُّع التي تأخذ أشكالًا كالتأخر لمدة ساعتين عن المنزل في سبيل تكملة حديث مشوِّق وتافه لا يكتمل أيضًا، على هيئة نزول البحر لعمل جلسة تصوير فاشلة.. الأصدقاء ومتعة تذوق الوجبات السريعة والأكلات الشعبية ومتعة التسوق معًا ومتعة تناقل التلاخيص والأوراق التي لا تُفتح أيضًا، متعة رؤية منظر لافِت والاستمرار بالحديث عنه لساعات، متعة التأخر عن المحاضرة، متعة الوقوف على السلالم لأنه “ما معي وقت نقعد” من أجل التحدث لساعات، متعة تأليف الأغاني، متعة استراق النظر للطلبة الجدد، حينها نتذكر أننا كنا مثلهم، وها نحن نضع بصماتنا الأخيرة، والامتنان الأخيرة لأساتذتنا الذين مدوا يد المساعدة، وأيضًا للذين قالوا لنا لا يومًا ما، كلا الطرفين قد ساعدنا بطريقة أو بأخرى..

 

الحديث يطول عن هذه المرحلة، وربما لا ينتهي، لا أعلم حجم اشتياقي لجامعتي مذ اللحظة، لكني على يقين أن القصة قد بدأت الآن، ولكن على الرغم من يقيني هذا أنها البداية؛ فهذا عند الجميع في كل بلدان العالم، إلا هنا ربما لا تكون، لأن الطالب في ظل هذا الاحتلال لا يستطيع بل يصعب عليه الوصول لأبسط حقوقه، وهو حق التوظيف بعد سنوات التعب تلك، يضيع حقوق الكثير من الطلاب المجتهدين في كل المراحل بسبب تزايد أعداد البطالة هنا، لا يوجد أي مكان يستقبل الطالب بعد تخرجه؛ فينقسم الطلاب إلى قسمين: قسم ييأس ويستسلم للمكوث في منزله، وقسم يتجه للعمل الحر، وينجح فيه بصعوبة بسبب انقطاعات التيار الكهربائي…

يتبع…



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك