“قصتي مع الفلسفة”

5 أكتوبر , 2017

الحياةُ بمطباتِها وحلاوتِها تدعونا إلى العيشِ رغم كلِّ شيء، فالحياة ليست سوى ضيفٌ راحل. في صيفِ 2016 حصلت على شهادةِ “الباكلوريا” بعد عامٍ متعب، إلاَّ أنَّ فرحةَ النجاح والتفوق قد مسحت غبارَ التعب. فبعد موسمٍ شاق، نجحت في الثانوية، ليبدأ سؤال الجامعة يقرع رأسيّ مع سبقِ الإصرار والترصد، والحيرةُ تتملكني في اختيار الشعبة المناسبة، الحسرة تأخذني إلى متاهاتٍ عميقة.

فكَّرتُ كثيرًا في الفلسفة وتربطني بها علاقةُ حبٍّ وعشق لا مثيلَ لها. لم يكن الاختيار صائبًا لمجموعة من الاعتبارات، أبرزها أنَّ الكلية القريبة للمكان الذي أقطنُ فيه لا توجد فيه شعبةٌ اسمها “الفلسفة”.

الصيفُ يمرُّ شيئًا فشيئًا، فكَّرتُ مليًا، وقلتُ مع نفسي:” سأضحِّي بالغالي والنَفيس من أجل الفلسفة، وسأبتعدُ عن عائلتي، لكي أحقق ما أطمحُ إليه”.

فعلت ما خَطَر ببالي، سجلت في موقع الكلية، إلى أن وصل التسجيل الرسمي بالكلية، فانتقلت من منطقتي إلى الدار البيضاء، والمسافةُ بينهما يفزعُ لها من في القبور، إذ تصل إلى حوالي “560 كم”، كل شيءٍ كان جميلاً من أجلِ الفلسفة.

الخوف يَتملَّكنِي، كنتُ خائفًا من ذلك الامتحان الذي سأجتازُه، فهذا الامتحان هو الذي يخولُ لك التسجيل في شعبةِ الفلسفة، وإذا كانَ الرسوبُ عنوانك فإنَّك ستتيهُ في سراديبِ النسيان. اجتزتُ الامتحان، كان امتحانًا شفويًا، نجحتُ فيه، قمتُ بالتسجيل، وفرحتي ذلك اليوم لا تُضاهى ولا تُقاس.

تلك الفترة، كانت تزامنية مع عيدِ الأضحى، ولأنني أنحدرُ من عائلةٍ فقيرة؛ فكانَ الفقرُ المدقع يخيمُ على كلِّ شيء. كنت أعملُ في الحقول، وعندما آتِ إلى المنزل، أحفظ بعض النصوص الفلسفية، رغم التعب الذي ينخرُ جسدي، إلاَّ أنَّ حُبَّ المعرفةِ كان يُنسيني كلَّ شيء. ضميري يقولُ لي دائمًا: “قاتل، فلا شيء يقفُ لك عائقًا أمامَ المعرفة”.

انتهى الصيف، الموسم الدراسيّ على الأبواب، بدأتُ بترتيبِ ملابسي وأغراضي، الكلُّ كان معارضًا لذلك الانتقال، لأنني في نظرهم لازلت صغيرًا، ولكنني لم أكترثْ لما يقولونهُ، ذهبتُ وبين أعيني أهدافًا سأحققها مهما كلفني الأمر.

جئتُ إلى الدار البيضاء من أجل حُبِّ الدراسة، ولأنَّ تكاليف العيشِ في هذه المدينة الكبيرة يتطلَّبُ مِنك أنْ تكونَ منحدرًا من عائلةٍ غنية ومالها لا يعدُّ ولا يُحصى. خرجتُ للعملِ في وقتِ الفراغ، لا صديقٌ ولا رحيمٌ في هذه البلاد، سوى أنْ تكونَ أنْتَ ومن أنْتَ وما ستشاءُ لك السِّنون.

لقد قمتُ بالتقاطِ “سيلفي” مع الفقر مرارًا وتِكرارًا، بل وصلَ بي الأمرُ كلما ازداد تعبُ العمل ازدادت ابتسامتي، فالفقرُ والدراسةُ لا يلتقيان، وإنْ أردتَهم أنْ يلتقوا عليك بالعمل وجنيّ المال.

بدأتِ الدراسة، وجدتُ حلاوةَ الحياة في الفلسفة، الإبداع، التحليل والتعمق في أشياءَ لم تكن لديَّ معرفةٌ بها.

الفلسفةُ كانت ولا زلت ضرورية في الحياةِ اليومية. دائمًا أكون فرحًا عندما أعلم أنَّ اليوم لديّ حصة في الفلسفة، استمتعت كثيرًا، وتطرقنا لأشياء كنت أجهلها، عرفت بعص الفلاسفة لم يسبق لي أن عرفتهم من قبل.

الفلسفة منحتني شيئًا مهمًا وهو أنني لم أعد أقبل أي فكرةٍ مسبقة، بل أبحثُ وأقرأُ ما لذّ وطاب من الكتب. دراسةُ الفلسفة تحت تأطيرِ أساتذةٍ أجلاء، يعطوننا المَعرفة، كفاءات عالية، فكرهم هو  فكرٌ جميل، استفدنا منهم الكثيرَ والكثير.

الفلسفة إنْ أدرتَ دراستها عليك بقراءة الكتبِ للفلاسفة العظماء، بدءً بأفلاطون، أرسطو، ديكارت، كانط، هيغل، نيتشه، هايدغر، فوكو، جيل دولوز. هنا تكمنُ حلاوةُ الفلسفة، كل هؤلاءِ الفلاسفة يجمعهم خيطٌ ناظم رغم الاختلاف في الحِقبِ الزمنية، إلاَّ أنهم قد جمعتهم “الميتافيزيقا” التي بدأت إرهاصاتها الأولى مع أفلاطون، ودشَّنها أرسطو، وأراد ديكارت الانقلاب عليها دون جدوى، إلى الفيلسوف الجدلي هيغل الذي تحولت مع إلى تاريخ. هذا ما جعل نيتشه يعلن الانقلاب على الأفلاطونية أي أنَّه يريدُ مجاوزة الميتافيزيقا، شأنُه كشأن هايدغر وميشيل فوكو وجيل دولوز وجاك ديريدا. لكنهم لم يستطيعوا مجاوزة الميتافيزيقا لأنّها تحولت إلى تقنية.

رغم مطبَّاتِ الحياة، إلاَّ أنني قد استطعتُ تحقيقَ ما أطمحُ إليه وهو دراسة الفلسفة. جمعتُ بين العمل والدراسة، وقد حققتُ نتائجَ مرضية ونقطاً مميزة، وأصبحَ يحسبُ لي ألفُ حساب. لا تكترث لأعداء النجاح، ثابر، وغامر، واجتهد من أجل أحلامك، وذاتَ يوم ستصلُ إلى ما كنتَ تطمحُ إليه، إلى جانبِ حلمي الذي هو دراسةُ الفلسفة، دفعتني الحياة إلى كتابةِ روايتي التي نحتُ لها عنوان “حربُ البَقاءِ”.

الحياةُ والفلسفةُ مترادفان، أعيشُ مع الفلسفة والفلسفةُ تعيشُ معي. لم أجدْ مَن يساندني، بل ساندتُ نفسي بنفسي.

هذه قصتي، ابتعدتُ عن عائلتي لا أراهم إلاَّ في العطلةِ الصيفية، عمِلتُ كثيرًا، صباحَ مساء؛ اجتهدتُ وحفظتُ دروسي من أجل تحقيقِ أحلامي. ولا يوجدُ شيءٌ سيمنعك يا صديقي الطالب من تحقيقِ أحلامك التي راودتك منذُ نعومةِ أظافرك.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك