كَيْفَ بَدَأَ عِشْقِي لِلْمَعْرِفَةِ؟!

28 سبتمبر , 2017

 

ولدتُ وترعرعْتُ في دولة الإمارات؛ فقد كان والديَّ يعملان هناك مدرسَيْنِ لمادة اللغة العربية، وكما أتذكر كانت طفولتي ومراهقتي في التسعينيات جميلةً وغنيةً بالمغامرات المعرفية؛ فقد كان لدي صديقةٌ مصرية الجنسية منذ الصف الأول الابتدائي، اسمها مروة -وهي طبيبةٌ الآن- تعشق المعرفة كما أعشقها، نتبارى بضراوة بما نملك من مخزون معلومات قرأناها في “مجلة ماجد” التي كانت تصدر كل أربعاء، وننتظرها بشَغَفٍ، وكُتُبَ دائرة المعارف، أو ما نشاهدُه في برامج علمية مفيدة، وكان “كان يا مكان الحياة” المفضل لديَّ آنذاك، ورحلاتي العائلية لمعرِض الكتاب السنوي الذي كان يُقام في الشارقة، ولا أنكر دور مَدْرَستي التفاعلي في كافة المجالات والأنشطة العلمية والرياضية والفنية التي ساهمت في صقل مواهبي وشخصيتي في مراحلي الابتدائية المبكرة في مدرستي “الغرفة الابتدائية” و”الفجيرة الابتدائية”.

 

عندما بلغتُ من العمر الثالثة عشرة من العمر انتقلتُ للمرحلة الإعدادية في مدرسة “أم العلاء الأنصارية الإعدادية للبنات” حيث تفجَّر تعريفُ “السعادة المدرسية”  كانت أسعد أيامي مع مواد اللغة الإنجليزية واللغة العربية ومادة العلوم، وعشقي بمعجزات الجسم البشري.

ما زلتُ أتذكر مُعلمةَ مادَّةِ العلوم السيدة “رُويَّة سعيد” وتميُّزها بل إبداعها في طرح المحتوى الدراسيِّ؛ حيث كانت كلُّ حصةِ علومٍ عبارةً عن مفاجأة ومغامرة علمية مثيرة، وليست درسًا صفيًّا مملًا، لا أدري من أين كانت تأتي بتلك الأفكار النووية، لكنها حتمًا استطاعت جعلنا نتعطش انتظارًا لحصة العلوم.

 

يومًا ما استدعتني أنا وصديقتي المقربة مروة، وطلبت منا تحضير مواضيع علمية مما نحب خارج المواضيع المقررة في منهاج العلوم؛ ليتمَّ مناقشتها كل أسبوع في الفصل أو الإذاعة المدرسيَّة، لتستفيد بقية الطالبات، تملَّكني الفرح العارم واشتريت دفترًا خاصًّا بمواضيعي المختارة كما فَعَلَتْ مروة، وكان دفتري –الذي ما زلت أحتفظ به- في قوة كَنْزٍ لي، تركوازيًا يحمل طابَعًا بيولوجيًّا مميزًا، أكتب فيه جميع ما يَحوزُ على انبهاري من معلومات ومعارف،كنا نناقشها بشغف في الفصل كلَّ أربعاء في حصة العلوم مع السيدة “رُويَّة” حيث كانت تغدق علينا بسيلٍ من المدائح والبطاقات التشجيعية التي كانت تعدُّها لنا بشغفٍ مماثل.

 

كبِرَ حُلُمي بأن أُصبِحَ عالمة في مجالٍ ما يومًا ما. نعم! جعلتُ ذلك الميكروسكوب الأنيق القابع في مختبر العلوم نافذتي الميكروسكوبية لكونٍ من المعرفة الغامضة، كيف لا وأنا أشهق عجبًا و نشوةً كلما حطَّت عيني على عدسته لأرَى خلالَه “علَّم الإنسان مالم يعلم” تتجلَّى حرفًا تِلْوَ حرف.

 

كانت سنواتي الدراسية في دولة الإمارات حافلة، كنت لاعبةً سريعة في فريق كرة اليد في مدرستي؛ حيث كنا نفوز بمسابقات على مستوى الإمارة والدولة، وكنتُ عضوةً في فرقةٍ موسيقية في مدرستي أيضًا، أعزف على الآلات الإيقاعية بمهارة، كنت رسَّامةً حسَّاسة وتعلمتُ الرسم بأنواعه، وكانت لوحاتي تُعرض في معرِض المدرسة، ولن أنسى حصصَ اللغة الإنجليزية مع المعلمة السيدة “آمنة” -لا أتذكر باقي الاسم- وأدوارنا وأزاياؤنا التمثيلية الفريدة في مسرحيات شكسبيرية الطابَع، وكيف لي ألا أتذكر مادة اللغة العربية التي امتازت بالمجموعات التنافسية خارج إطار البيئة الفصلية مع المعلمة السيدة “عائشة هاشل”.

 

لم أحبَّ أيام العطلة قطُّ، كانت “سعادتي في مدرستي💚 “ ، لا أتذكر أنني كنتُ سعيدةً كما في هذه السنة في حياتي، إلى أن جاء ذلك اليوم في صيف 2003 عندما أخبرنا والدي أننا سنستقر في الأردن، وذلك لانتهاء عقد عمله، وهنا كانت صدمتي، كيف سأترك مروة ومعلماتي اللواتي تميَّزن بمهنة التدريس، وكتبي، ونشاطاتي، بل حياتي السعيدة، وشغفي المتَّقد، ومدرستي الحبيبة، وتوسلت وتوسلت لنبقى لكن كانت طفولتي أكبر من أن تستوعب مصطلحات ألقاها والدي على مسامعي من مثل:

“ظروف البالغين”، “الاستقرار”، “عقد عمل”، “توجيهي” حيث كانت أختي الكُبرى على مشارف التوجيهي آنذاك، ومصطلحات أُخرى لم تكن سوى لفحاتٍ ساخنة رمادية تبعث الاكتئاب في عالمي الملوَّن الْمُرهف..

 

فيضٌ من الذكريات الزرقاء ما زال يغدق علي بذات الفرح وأنا أسرد لكم بإيجازٍ شديد طفولتي المتميزة، وهذه صورٌ قليلة -وليتني امتلكت الكثير- ما زالت تحمل رونقها الأصيل ورائحة الحبر المدرسي، على الرغم من تتابع سنواتٍ من الانكسار الزمنيِّ، وفصولِ شتاءٍ كادت أن تجمِّد كلَّ أملٍ أملِكُه…

 

مهنة التدريس تتعدى حدود الغرفة الصفية وأغلفة المقررات المدرسية، بل هي مهنة ينال الإبداع نصيبًا هائلًا منها لاحتواء البراعم الغَضَّة وغرس حب المعرفة كحاجةٍ فسيولوجية أساسية، تجعلنا نتضور علمًا كما تكون حاجتنا للهواء والطعام والماء.

 

السعادة المدرسية” أساسها المعلم المبدع الذي يستوعب حجم دورِه في هيكلةِ شَغَف طالبٍ ما وسعادته مستقبلًا، وهذا ما عاصرتُه في مراحلي الدراسية الأولى في “الفجيرة.

 

معلماتي العزيزات أينما كنْتُنَّ، لكُنَّ مني فيضٌ من الامتنان الصادق وسلامٌ تأنَّق للقاء قلوبكن التي تنبض بشغف🌸…

 

في الأجزاء القادمة سأكتب عن تجربتي في مدارس الأردن انتقالًا لدراسة التمريض في الجامعة الهاشمية وانتهاءً بتجربتي بوصفي ممرضةَ أطفال في مركز الحسين للسرطان.

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك