“إيلان بابيه” الإسرائيلي الذي اختار فلسطين (1-2)

25 أبريل , 2016

في مناسبات عديدة كان إسم “إيلان بابيه” يتردد على مسامعي، لكنّي أجزم أنني بداية لم ألتفت له كما لكثير من الأسماء التي نسمع عنها في مختلف اللقاءات والندوات، إلا أن ذكر اسمه على وجه الخصوص في موقفين خاصين دفعاني للبحث عنه والتعرف عليه أكثر.

كما كل الأمور التي نريد التعرف عليها، دخلت إلى “ويكيبيديا” وقرأت عنه، وإليكم التعريف بشخصه: “هو مؤرخ إسرائيلي ينتمي إلى تيار المؤرخين الجدد الذين قاموا بإعادة كتابة التاريخ الإسرائيلي وتاريخ الصهيونية. درّس بجامعة حيفا وهو يدرّس حاليا بجامعة إكسيتر. يعتبر إيلان بابيه من أبرز دعاة حل الدولة الواحدة (للقضية الفلسطينية)، كما أنه من مؤيدي مقاطعة المؤسسات التعليمية الإسرائيلية. تعرض إيلان بابيه للكثير من النقد في إسرائيل بسبب تأييده للحقوق الفلسطينية في عودة اللاجئين وفي مقاومة الاحتلال“.

لم أكتف هنا، فصرت أسأل وأقرأ عنه واسمع له، وعرفت بعدها لماذا يتكرر اسمه كثيرًا. وكم تمنيت لو أنه ما زال محاضرًا في جامعة حيفا – التي أدرس بها – لأنال فرصة التعلّم معه.

لماذا كل هذا الاهتمام؟

ميزات عدة اجتمعت في شخص البروفيسور “إيلان بابيه” جعلتني أهتم بفكره وآرائه، بداية من أطروحاته الجريئة فيما يخص تاريخ الحركة الصهيونية، ودعوته لحل الدولة الواحدة، وهي آراء عادية لو أنها لم تكن من “إسرائيلي” ولد في حيفا بعد سنوات قليلة من الاحتلال، وخاصة أنه من اليهود الغربيين. بذلك تكون قد اكتملت عنده كل التناقضات اللازمة ليكون من أكثر الأفراد تميزًا في التناقض في القضية الفلسطينية.

 

“بابيه” تخرج من جامعة القدس ثم التحق ببرنامج “دكتوراه” مباشرة في “اكسفورد” البريطانية العريقة، وعاد ليدرّس العلوم السياسية والتاريخ في “جامعة حيفا” التي ضمنت له مساحة من العمل الأكاديمي، إلا أنه كان دائمًا تحت أعين المؤسسة الحاكمة بأذرعها الأمنية فقد شكّلت أفكاره نقطة تحول بين الإسرائيليين. فبات يتكلم بشكل علني وواضح عن النكبة والتطهير العرقي الذي حدث في البلاد إبان احتلالها، وهذه الآراء تعتبر تطرفًا بالنسبة للإسرائيليين لو أن فلسطينيًا تكلم بها، فكيف بالحري عندما يتكلم بها “إسرائيلي” ولد وترعرع داخل هذا الكيان!

“إيلان بابيه” شكّل صدمة عميقة للمشروع الصهيوني من الداخل، فهو يمثل الصوت الحُر والصريح، الذي لم يغض الطرف عن الحق، وأدرك أن عدم المصارحة الآنية ستقود لردة فعل عكسية يندم عليها كل الإسرائيليين، لذلك سافر لبريطانيا في عام 2007 ليلتحق بجامعة “إكسيتر” ويترأس قسم الدراسات الفلسطينية في كلية الدراسات العربية والإسلامية في الجامعة، وليتصدر نشاطات عالمية لمقاطعة الكيان “الإسرائيلي” على المستوى الأكاديمي.

حل الدولة الواحدة لم يكن يتداول في الأوساط اليسارية “الإسرائيلية”، وهذا يعني أن أكثر “الإسرائيليين” يسارية لم يتطلعوا إلا لحل الدولتين، أي أنهم لم يخرجوا من بوتقة المشروع الصهيوني، واعترفوا للفلسطينيين بمناطق الـ 67، وبالمناسبة فإن حل الدولتين مطروح من بعض الفلسطينيين، كالسلطة في رام الله، وحزب الجبهة في الداخل الفلسطيني، إلا أن “بابيه” لا يتفق مع هذا التوجه وطرح حل الدولة الواحدة، وما يهمنا حقيقة ليس الحل في ذاته بقدر ما يهمنا جوهره الذي يعني إزالة الحدود وإعادة اللاجئين وإنشاء دولة تقبل بواقع وجود اليهود وتمنح الفلسطينيين وتعوضهم عن حقوقهم التي سلبها المشروع الصهيوني طوال الأعوام الماضية منذ احتلال البلاد.

المحور الثاني الذي دفعني للتعرف عليه هو ضلوعه في البحث والأكاديمية، خاصة أنه يحاضر في جامعة تعد من الأفضل في الداراسات العربية والإسلامية في بريطانيا. وكذلك فإن ما كتبه وبحث فيه يهمني جدًا من جهة التخصص والوطن، فكتاب “التطهير العرقي” يعتبر من أهم الكتب التي توثق النكبة الفلسطينية.

 

خطوة عملية

 

بعد ذلك كله قررت أن أتواصل معه، ربما يحالفني الحفظ لمجالسته والحديث معه وحتى الاستفادة منه على المستوى الشخصي في المجال الأكاديمي، فدخلت موقع جامعة “إكسيتر” وبحثت عن بريده الخاص، ثم راسلته وعرّفته بنفسي.

في الحقيقة لم أتأمل كثيرًا، لأن شخص كهذا بالطبع سيكون عنده ما يشغله أهم مني، لكنّي راسلته حتى أفعل ما عليّ وأترك النتائج للقدر، وإذ به يرد على رسالتي بعد أسبوع تقريبًا، ليخبرني بأنه قريبًا سيزور البلاد في زيارة سريعة من بريطانيا ثم أرسل لي رقمه وأخبرني بأنه سيكون سعيدًا لو تواصلنا. تفاجأت من رده، بحيث تعامل مع الموضوع بكل بساطة وتواضع.

اتفقنا على موعد اللقاء.. سنكمل لكم الحكاية في الجزء الثاني من هذه التدوينة.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات تعليق واحد

[…] “إيلان بابيه” الإسرائيلي الذي اختار فلسطين (1-2) […]

أضف تعليقك