“الإسرائيلي” الذي اختار فلسطين (2-2)

1 يوليو , 2016

“إيلان بابيه” الإسرائيلي الذي اختار فلسطين (2-2)

جرت الأمور كما لم يكن مخططًا لها، دخلت إلى ملف البروفيسور إيلان بابيه في جامعة “إكسيتر” – البريطانية – وراسلته على بريده الإلكتروني، وحينها قلت في نفسي لعله يرد، وإن لم يفعل فقدت جربت.

مرّ أسبوع تقريبًا ورد على رسالتي بسطر واحد، قال إنه سيسعد بلقائي وأرفق رقم هاتفه ومتى سيكون في البلاد.

بعد ذلك اتفقنا على موعد اللقاء، واختار أن يكون في البلدة التي يسكن فيها، واسمها “طبعون” والتي هي بجانب قرية عربية اسمها “بسمة طبعون” قضاء مدينة حيفا، ذهبت وبرفقتي صديق درس القانون في بريطانيا وكان هو أول من لفت انتباهي لاسم “إيلان بابيه”.

قبل أن أتحدث عما جرى في اللقاء، أود أن أوضح نقطة غاية في الأهمية، صحيح أننا نعيش مع اليهود “الإسرائيليين” في منطقة جغرافية واحدة، لكن العلاقات محددة في الأماكن التي يجب أن نلتقي فيها، ولم أتصور أنني سأجالس إنسانًا أكاديميًا “إسرائيليًا” خارج أسوار الجامعة، لذا فهذه الحالة مختلفة – على الأقل على المستوى الشخصي.

لعل أكثر ما ساهم في انتشار اسمه وصيته موقفه من القضية الفلسطينية وحمله لراية “حل الدولة الواحدة”، وإن كان الحل بعيدًا عن الواقع حاليًا لأسباب تكاد لا تُحصى، لكن الفكرة ذاتها نابعة من إنسان قرأ التاريخ جيدًا واستفاد من العبر، ثم حاول أن يدعو أبناء قومه للتفكير بحل سلمي يضمن للأجيال اللاحقة أن تعيش بسلام، وأن يعيد للفلسطينيين حقوقهم التي سُلبت بالقوة، إلا أن الانغماس في هذه اللحظة التاريخية بما تحوي من قوة للكيان الصهيوني تجعل أبناء قومه يعرضون عن كلامه وكثير منهم يخونونه، لكنه يصر على أن التاريخ لن يرحم من غفل عن تداول الأيام والأحوال، ومن غرته قوته في لحظة زمنية.

عن أفكاره التي عرفتها منه.. ومواقف حصلت معه

طبيعة توجهه ونشاطه الأكاديمي يحتم عليه أن يتعامل مع الفلسطينيين بشتى توجهاتهم، فوجدته منفتحًا على جميع الأطراف، فقد كان ينتمي للحزب الشيوعي في “إسرائيل” والذي غالبيته عرب، وله علاقة بعزمي بشارة ومتواصل مع وضاح خنفر، وجلس في مناسبات مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، وإن كان يختلف مع السلطة ووظيفتها.

تأكدت بأنه فلسطيني أكثر من بعض الفلسطينيين أنفسهم، فقد حدثني عن ناشط يعرفه أصله من قرية لوبيا المهجرة – أرض جدتي – وعن اللاجئين والعودة، وقال إنه لا يرى أي فائدة للفلسطينيين في دخول الكنيست وهو لا يؤمن بها كأداة لحل قضايانا، وحتى أنه رفض عرض تولي منصب في الكنيست كممثل عن حزب عربي قومي.

حدثني أنه عند صدور كتابه “التطهير العرقي” – والذي لاقى ترويجًا كبيرًا – دعته حينها حكومة الوحدة الفلسطينية، وتم تكريمه في رام الله، وكانت تلك الخطوة من الأمور القليلة التي اتفقوا عليها آنذاك في الحكومة – حسب تعبيره.

ثم تحدث عن انتشار ثقافة رفض التجنيد عند جيل الشباب “الإسرائيلي”، وذكر لي أن في صف ابنه يوجد أكثر من عشرة شباب رفضوا أداء الخدمة العسكرية، وكلها بسبب تصرف الحكومات المتطرفة المتعاقبة (وإن كان برأيي هذا مجال من الصعب التعويل عليه).

أما عن الحضارة الإسلامية فكان له وقفات مهمة، وقال إن اليهودي الذي كان يعيش في العراق كان يُسأل عن هويته فيقول إنه يهودي الديانة، عربي القومية، عراقي الموطن وحضارته هي الحضارة الإسلامية، وتحدثنا حينها عن التجربة العلمانية العربية وعدم نجاحها الكافي بسبب عدم تفهمهم الفوارق بين البيئة التي ظهر فيها الفكر العلماني والبيئة الإسلامية.

ايلان بابيه 2

وربما من أكثر المواقف الجميلة التي حصلت معه هي زيارته لجنوب إفريقيا واللقاء الذي جمعه بالجالية المسلمة هناك، حيث عاملوه باحترام كبير وتم تقديمه لإلقاء كلمة بعد صلاة الجمعة في مسجد القدس في مدينة “كيب تاون” حضرها الآلاف من مسلمي جنوب أفريقيا.

انتهى اللقاء الأول واتفقنا أن لا يكون الأخير، وأفق التعاون والاستفادة منه متعددة، منها على المستوى الشخصي ومنها ما هو أوسع.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك