الصدمة الإسرائيلية بفِلَسطينيَّتنا

30 يناير , 2018

الصدمة الإسرائيلية بفِلَسطينيَّتنا

كانتِ الصدمةُ الأولى لي ولهنَّ في محاضرةٍ بمساقٍ جَدَلي، عندما قال المحاضر، وهو يساريُّ التوجه: ما هو رأي البنات الفِلَسطينيات في الخلف؟

 

فانتفضَتِ البناتُ اليهودياتُ وامتعَضْنَ مما قاله المحاضر، لم يكن للمساقِ أيةُ علاقة بالقضية الفِلَسطينية، ولم يُرِدِ المحاضرُ أن يَسمع رأي البنات الفِلَسطينيات في الفصل بقدر ما أراد أن يثير نقاشَ هُوَيَّةٍ على هامش المحاضرة.

 

أثار المحاضِرُ نقاشًا حادًّا بعدما قال كلمتَه، وبعد أن تعالتِ الأصواتُ اقترحَ أن يتركَ موضوع التعريف الذاتي للبنات أنفسهنَّ، وقرر أن تكون في المحاضرة القادمة فِقرةٌ يُعرِّف فيها كلُّ طالبٍ بنفسه من ناحية وطنية.

 

ما حصل في المحاضرة اللاحقة أن جميع الطلاب العرب الفِلَسطينيين عرَّفوا أنفسهم بصفتهم فِلَسطينيين إلا طالبة قرَّرَتْ أنها عربية “إسرائيلية”، وهنا كانت الصدمة بالنسبة للطلاب اليهود.

 

الصدمة بالنسبة لي كانت بِرَدَّةِ فعل الطالبات اليهوديات المبالَغِ بها، شعرتُ حينها وكأننا وُلِدْنَا “كإسرائيليين” من غير ماضٍ وتاريخ! فاستغرابهن لم يكن مبررًا بالنسبة لي.

 

مع مرور الوقت والاختلاط بالمجتمع “الإسرائيلي” من خلال التعليم والعمل عرفتُ أن رَدَّة الفعل تلك كانت حقيقيةً، لم تكن مصطنعةً إنما تعبِّر عن نظرةٍ متأصلة في المجتمع “الإسرائيلي” تجاه العرب الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1948. ينظر اليهود في “إسرائيل” للعرب الفلسطينيين الذين يحملون الجنسية “الإسرائيلية” على أنهم ليسوا جزءًا من الصراع، ويعتبرون أن القضية محصورة بالضفة وغزة “والقدس الشرقية” في الأساس.

 

ينظرون للعرب الفِلَسطينيين بوصفهم أقلية مختلفة -عن الأكثرية اليهودية في “الدولة اليهودية”-  لها مصالحه المعيشية اليومية. يعتبروننا في الحياة اليومية جزءًا من الحالة “الإسرائيلية”، ويعرِّفوننا بصفتنا عرب “إسرائيليين”، وهذه النظرة السائدة مجتمعيًّا في الأيام العادية، لكنها بالطبع تختلف في أوقات الأحداث والمواجهات، ولكن التمييز الحقيقي يظهر ويبرز أكثر في السياق السياسي والأمني. العربي في الداخل يعتبر خطرًا “ديموغرافيًّا” ويعتبر خطرًا أمنيًّا – في كل مكان تقريبًا – حتى يثبت براءته.

 

عوامل كثيرة ساهمتْ في تكوين هذا المفهوم، أهمها النكبة عام 1948، فبعد النكبة تفرَّق أبناء الشعب الفِلَسطيني بين الوطن والشتات. ومنذ ذلك التاريخ تشكَّلت مجموعات مختلفة انبثقت عن واقع النكبة، وكان نصيب من بقي في أراضيهم داخل ما يُسمى بالخط الأخضر أن يعايشوا التجربة “الإسرائيلية” من داخلها.

 

تعززت هذه النظرة للفِلسطينيين في الداخل بعد اتفاق “أوسلو” بالذات، حينها لم يتمَّ التطرق لهذه المجموعة في الاتفاق، وكأن شأنها صار “إسرائيليًّا” داخليًّا فقط.

 

الصدمة قرينة التناقض الذي نعيشه في الداخل؛ فالنظر في أبعاد وجودنا ومحيانا في هذا الجزء المعقد من القضية يجعل كلَّ التفاصيل صادمةً، صادمة لنا بصفتنا فلسطينيين وصادمة لهم “بصفتهم إسرائيليين”.

 

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات تعليق واحد

انشغالنا بالصراعات في الصفوف الفلسطينية طمس الكثير الكثير من القضايا التي تخص حتا التعايش بين الفلسطينين واليهود علي ارض واحده
فالان يجب علي الكل ان يحمل قضيته ويحاةل علاجها مع من يشاركه اياها فانا ارى الجميع لا يحمل الا هم نفسه وبس

أضف تعليقك