جدتي ودراستي للسياسة في “إسرائيل”

26 نوفمبر , 2015

مضت الأيام سريعة في المرحلة الثانوية، ككل تلك الأيام التي تمضي من حياتنا ولا نشعر بها إلا في لحظتها، فترة الثانوية حملت في طياتها تغييرات جذرية في توجهاتي وأفكاري، وحملتني الأقدار تدريجيًا من إدراكي بوجوب أداء فريضة الصلاة إلى المشاركة بنشاطات إسلامية وثم دخولي عالم التدوين والكتابة وانكشافي على شباب نخبوي من داخلنا الفلسطيني ومن عالمنا العربي.

بطبيعتي أحب السياسة وأميل لها، وعزز ذلك إنتماء والدي يومًا ما لحزب قومي في داخلنا الفلسطيني، لكن في الحقيقة أكاد لا أتذكر كيف رسخت فكرة دراسة العلوم السياسية في ذهني! كل ما كنت أعرفه أنني لست كالبقية وأعرف نقاط قوتي وأين وكيف يمكنني أن أتميز، وأنه بإمكاني اختيار طريقي بإرادة غير مقيدة، رغم كل المعيقات المجتمعية والسلطوية في واقعنا الشائك المتناقض.

جدتي لا تمثل نفسها فقط، بل هي ممثلة عن شريحة واسعة من المجتمع خاصة من أبناء الجيل الذي عاصر النكسات والإنكسارات وذاق طعم القهر والذل والهوان، فهذا الجيل – للأسف – ما زال يعيش حالة الخوف والإنكسار وكل ما يهمه العيش بسلام وأمان في دولة تمنح الشيوخ الكبار والعاطلين عن العمل مستحقات شهرية، نجحت المؤسسة “الإسرائيلية” بتحييد جيل كامل عن القضية – إلا من رحم ربي – قبل أن تصل الصحوة الإسلامية والوطنية إلى ربوع داخلنا المُحتل، فكلمة “سياسة” محرمة إلا في انتخابات السلطات المحلية المبنية على أسس عائلية، وما دون ذلك فمن ينطق كلمة “سياسة” كأنه يكتب على نفسه الموت في الدنيا، وهنا أتكلم عن مجتمع قروي كان يعيش على الفلاحة شبه مقطوع عن حركة المعرفة والوعي، تخيلوا مثلاً أن المجتمع والأقارب والعائلة أحيانًا يشكلون عائقاً أعسر من المؤسسة “الإسرائيلية” بكل أذرعها وسياساتها!، وذلك من خلال بث الرعب ونسج قصص خيالية وترهيب جيل الشباب من عواقب الأمور والمستقبل إذا ما تحدثوا بالسياسة أو شاركوا بنشاطات سياسية.

الاختيار العاطفي وقع قبل الاختيار العقلاني، لكنني لا أنكر حجم الإرشاد الذي تلقيته من خلال ورشة توجيه مهني، وهناك أُثبتت ميولي بأدلة علمية حسب اختبار “هولاند”. كان أمامي بعدها مهمة صعبة نسبية في عُرفنا ومجتمعنا، سهلة في بيتنا وعائلتنا، وهي عملية إقناع الأهل بالتخصص الذي أريد، خاصة عندما يعرفون أن التخصص هو “علوم سياسية”، لكنّي قلت أنه المهمة كانت سهلة لي بسبب تقبل والدي لكل ما أقوم به، ودعم والدتي المطلق لي، هذا بالمناسبة لم يكن صدفة، فوالدي مدرّس وله نشاط وطني سابق، ووالدتي مدرّسة لرياض الأطفال وهي بحد ذاتها قصة فلسطينية لم تتكرر إلا نادراً، فقد ولدت في مخيم اليرموك وانتزعت حقها بالعودة استنادًا على قانون لمّ الشمل، فلا يمكن إلا أن تكون وطنية غير مبالية بمجتمع مدجّن، أعتقد أن هذه الأسباب لعبت دوراً كبيراً في بلورة شخصيتي واختياري لتخصص غير مرغوب في مجتمعنا.

ما لم تفهمه جدتي والشريحة التي تمثلها أنه ثمة فروق حقيقية وكبيرة بين الأكاديمية والممارسة والنشاط السياسي، وكوني سأدرس السياسة هذا لا يعني أنني سأذهب وأتظاهر في المحاضرة ولن يجلس بجانبي رجال المخابرات يحققون معي عقب إنتهاء كل يوم، لكنّي كنت على قناعة أن شرح الأمور لن يفضي إلى جديد، حتماً سيفهمون الأمور في سياق واحد غير قابل للتفاوض والتغيير، علماً أن كل ما يقولونه لا يهمني ولا يثنيني أبدًا لكن كنت أحبذ أن لا أسمع كلام محبط مبني على قصص خيالية منسوجة من وحي أفلام رعب!

نظام التعليم في “إسرائيل” يتيح للطالب اختيار تخصص مزدوج، وتخصصي الثاني هو علم الإجتماع، فكنت أُجيب كل من يسألني – عن ماذا أدرس – بحسب من هو، فإن كان من الشريحة المذكورة كنت أخبره بأني أدرس علم الإجتماع فقط، وأما من كنت ألمس فيه الوعي والفهم لهذه الأمور كنت أخبره عن السياسة كذلك.

في كثير من الأحيان يجدر بنا أن نتعامل مع الواقع ونتكيّف معه، دون أن يكسرنا أو يصهرنا ضمن إنحرافاته وخرافاته، أعلم أن هذه الفترة حساسة جدًا، وأنا بأمسّ الحاجة لبناء ذاتي بعيدًا عن الإشتباك مع أفكار متجذرة بعقل جيل كامل، لذلك فإني أتبع قاعدة شخصية قلت فيها: “مرحلة التأسيس تحتاج كثيرًا من الحنكة والتسييس”.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك