عملية “تل-أبيب” الأخيرة .. حديث عن أوج التناقضات

13 يونيو , 2016

حساسية هذا الموضوع تجعلني وغيري من أبناء الداخل الفلسطيني نفكر مليًا قبل أن نكتب أو نبوح بأسرار المماحكة الداخلية حول جزئية تخص العمليات الاستشهادية التي تتم في الداخل الفلسطيني.
فنحن معرضين للتخوين من جهة أبناء شعبنا لو تطرقنا لأبعاد هم يرفضون نقاشها أصلًا، ومعرضين للملاحقات السياسية من قِبل الشرطة “الإسرائيلية” لو أظهرنا أي تعاطف وتأييد لمنفذي العمليات، وفي نقطة مظلة مليئة بالتناقضات نقف نحن – أبناء الداخل الفلسطيني – مجبرين غير راغبين بما نحن فيه من تناقض عجيب.

لكن عملية “تل-أبيب” الأخيرة ترغمني على الكتابة، والحديث عن أوج التناقضات التي نحياها.

سمعت عن العملية يوم الخميس صباحًا، فبسبب طبيعة الشهر الفضيل نقضي أوقاتنا في صلاة التراويح لوقت متأخر، وبعدها نقضي أوقاتنا في السهر مع الأصدقاء ومتابعة برامجنا المفضلة دون أن نلتفت للأخبار الطارئة، وقد تمت العملية يوم الأربعاء – 8.6.2016 – ليلًا.

ذهبت إلى الجامعة في صباح يوم الخميس، وأثناء الاستراحة بدأ أحد الزملاء يخبر آخرين عن أن أحد المصابين في عملية “تل-أبيب” هو أحد طلاب قسم العلوم السياسية ويدرس معنا، في تلك اللحظة قصدت تجاهل حديثه وإن كنت لم أفهم التفاصيل، لم أعرف لماذا، لكن شيء ما في داخلي جعلني ألتفت لشاشة الحاسوب وأكمل وكأنني لم أسمع شيئًا.

فور انتهاء المحاضرة ركبت السيارة وذهبت في زيارة لأحد زملائي، وهناك تحدثنا عن العملية وأن أحد المصابين هو زميل لنا وكذلك أن رئيس الجامعة أرسل رسالة لجميع الطلاب يستنكر فيها العملية. رأيت صورته، حينها عرفت أنه زميل في نفس سنتي، والذي فاجأني أكثر أنه كان ضمن منتدى للمساهمة في تغيير الواقع الطلابي في الجامعة، وأنه ناشط “يساري” يدعم حقوقنا في داخل “الدولة”.

“رصاصة” تقترب لواقعنا

الشعور الذي راودني ليس سهلًا، ولا استطيع وصفه، وذلك لعدة أسباب، أولها أن المصاب شخص يدرس معي، وأن حيفا كمدينة وأفراد بعيدة عن هذه العمليات، والجامعة لم تتأثر أبدًا خلال كل فترة الانتفاضة الأخيرة. لكن هذه المرة اختارت الرصاصة بأن تقترب لواقعنا.

عرفت كذلك أن أحد القتلى هو دكتور باحث في قسم علم الاجتماع والانثربولوجيا في جامعة “بن جوريون” في بئر السبع، وتخصصه في المجتمع الإسرائيلي بالذات، وقد كان له بحث عن هذا الموضوع، ووجدت أحد العناوين تقول: مات في المجال الذي كان يبحث فيه. وتعليقات متطرفة ضده، بسب موقفه “اليساري” من القضية.

أتمنى حقًا أن لا يوضع أي إنسان في موقف متناقض كالذي نحياه، لأن القضية معقدة جدًا. فكل فلسطيني سوف يشكك بوطنيتنا ويدعي بأن مشروع تهجين أبناء الداخل الفلسطيني نجح لو تحدثنا عن الجانب الإنساني في الموضوع، وأن ليس كل من هو داخل “إسرائيل” يتحمل وزر الاحتلال، وأن منهم من يرفض هذا الواقع الذي فُرض عليه أصلًا. ومن جهة أخرى فلا يُشار بأصابع الإتهام إلا للاحتلال الذي يتحمل كل ما يجري.

فمنا من يعلن موقفه المعارض بشكل جذري لتلك العمليات ومنطقها، مع عدم الحياد عن النضال المشروع ومقاومة الاحتلال، وتحميل الكيان المُحتل كل تبعات ردود الفعل والعمليات الاستشهادية. فكان لزامًا على من يعارض تلك العمليات أن يؤكد على تجريم الاحتلال وأذرعه الشرطية والعسكرية، وما له من سياسات اجتماعية واقتصادية ضاغطة تدفع الشباب الفلسطيني في الضفة والقدس إلى الانفجار في وجه أي “إسرائيلي”، وهذا الموقف بجزئيه يكون لتجنب الوقوع بدائرة الخيانة. مع ذلك الإشكالية لم تنتهِ، فحتى تعريف المصطلحات التي تُستعمل بحاجة إلى تعريفات واضحة ودقيقة، لأنها فضفاضة وتحمل الكثير من المعاني والتأويلات.

أما القسم الأكبر فلا يخوضون في الموقف والأسباب والتداعيات، يذكرون العملية في سياق خبر خالٍ من التعليلات. وقسم صغير يلمح بتأييده، وهذه الفئة خطيرة بالمناسبة، فإذا كان المساند للعملية يصرح فيما يجول بخاطره حقًا ففي ظرف أيام سوف يُستدعى للتحقيق، أما إن كان من فئة العصافير التي تغرد خارج السرب لكي توقع بشبابنا فذلك خطره متعد لغيره بقصد خبيث.

اللحظة الآنية لا ترحمنا أحيانًا، والحديث الفلسفي أو التاريخي أو الإنساني أو الموضوعي لا مكان له في أوج الصراع، ونحن ما زلنا نعيش تلك الإشكالات والتناقضات في داخل متاهات يبدو أنها لن تنتهي قريبًا.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك