غُربتي في ألمانيا، ما بينٓ العِلم والجّهِل!

20 يونيو , 2016

لٓم أتوقّع يومًا أنني سٓأُكمِل تعليمي الجّامعي خارج البلاد، فبعْد عدّة محاولات صِعبة من أجل مسيرتي الجامعية في إسرائيل، اخترتُ ألمانيا لأنّني وجدتُها الأفضل لي، خاصةً من ناحية المهنة الطبّية، ومع هذا كلهُ لم أتوقّع أنني سأواجه لغة صعبة بحذافيرها، خلتُ أنّها ستكون بمقياسٍ جيّد مقارنةً باللغات الأخرى كالإنجليزيّة مثلًا! لكن لا بأس، سعيدٌ جدًا بدراسة هذه اللغة المعقّدة من ناحية الصّرف والصياغة ومخارج الحروف وهُلمّ جرا، ويومًا بعد يوم بدأت تصبح هذه اللغة أسهل والمقاومة لا زالت مستمرّة نحو الحصاد.

على الرّغم من أنّها سنتي الأولى في ألمانيا، إلا أنني اكتشفتُ الكثير من الأمور المُتعلّقة بالقضايا الوطنيّة والإسلاميّة، هذا المُجتمع الذي بدا راقيًا جدًا لي، مُحبًًّا للعلم لدرجة إنك حين تطوف ألمانيا أينما كنت سواءً في المنتزهات، الباصات، بل وحتى الصالات الرياضيّة ستجد معظمهم يحملون كتابًا دسمًا تقدّر عدد صفحاته بأكثر من ٥٠٠ صفحة، كتاب بهذا الحجم في بلادنا لن يتحمّل أحد قراءته، قلّة قليلة من تفعل فقط.

مقارنةً بالوضع في بلادي، محزنٌ جدًا يا صديقي أن ترى هذا التفوّق في الغرب بينما نحن لا نزال في القاع لا نحاول الارتقاء وصعود الدّرجات، حتى بغضّ النّظر عن كون إسرائيل تُطمس حقوق الأقلية العربيّة في التعليم الجامعي، إلا أن الفجوة حقًا فينا! لو كُنّا نُحب العلم بقدر الألمانيين، نقرأ كتابًا، ندرُس الحقائق، ونبرّر الغايات، لكُنّا اليوم في موضع أفضل، ولكانت الأغلبيّة العربية في الدّاخل المُحتل فئة مثقّفة واعية، الأمر الذي سيُرعب الكيان الصهيوني كوننا نتقدّم بالعلم وهو السّلاح الأمثل للمقاومة، وما دمنا نتقلّب بين الجهل والحماقات يستحيل لنا المضي إلى الأمام.

كمُغترب فلسطيني، يحمل جنسية إسرائيليّة، أُعاني من عُقدة متكررّة بشكل شبه يومي، عادةً أُقابل الكثير من المغتربين العرب سواء كانوا لاجئين أم طُلاب أم أصحاب مصالح مهنيّة، الذين يطرحون عليّ سؤالًا واحدًا على الأقل عن جنسيّتي ومكان إقامتي، طبعًا أُجيبهم دومًا بكل اعتزاز وفخر “أنا فلسطيني”، ولكن لا ينفكّ الأمر يُصبح مُتأزمًا حين يسألونني عن مكان إقامتي بالتحديد، ”أنا من قضاء الناصرة” بحيث أنّهم لا يعلمون عن هذه المدينة المقدّسة ولا سبق لهم أن سمعوا بها، ويُصبح أكثر تعقيدًا حين أخبرهم أنها تقع شمال “إسرائيل”، الأمر الذي يُثير اشمئزازهم لعدٓم تقبلهم دولة إسرائيل، وقد يتهمني البعض بالتخوين!

نعم، أنا كفلسطيني، لا أتقبّل الدولة الصهيونيّة من الداخل، لكن المعذرة منكم هل بوسعنا إنكار الحقائق؟ إسرائيل موجودة وهي تقع تحديدًا في الشرق الأوسط، مكانها الجغرافي هو فلسطين بعينها، ماذا بعد؟ بدلًا من الإنتقاد بحقّي، عليكُم أن تغذوا عقولكم بالواقع ولو كان الأمر ذليلًا، أرجوكم لا تغوصون أكثر في الحُمق والبلادة!

مؤخرًا، اكتشفتُ أيضًا بينما يرفُض العٓرب الدولة الصّهيونية، رأيتُ أنّ الأسوأ من ذلك هو تقبّل الغرب لقيامها! يعني، كان لديّ مهمّة جامعيّة حول شخصيّات بارزة من بلادي، فٓاخترتُ أن أتحدّث عن الراحل ياسر عرفات الذي بلا شك مشهورًا في العالم أجمع، بحيث تسهّل علي المهمّة أكثر، حسنًا لكن حين أردتُ أن أبحث عنهُ في محرّك البحث “غوغل”، ودخلتُ إلى ويكيبيديا التي عادةً ما تكون في أعلى القائمة، كانٓت الصّدمة حينما وجدتُ حقائق ملفّقة بحقّه وبحقّ المجتمع الفلسطيني، مُتّسمين به باسم “الإرهاب”!

عجبًا، كون ويكيبيديا هي كتابات مُساهمة من قبل الأشخاص، وأن بإمكان أي شخص تصحيح المعلومات، لكن ما يُثير الجنون حقًا أنه أي شخص سيقع ضحية هذه المعلومات الكاذبة وسيصدّقها، كونها تأتي أعلى القائمة يعني أن الجميع سيشهد على صحّتها!.

وٓرُبّما حقًا تسقط قناعتي بقراءتهم الفائضة للكتب، أقصد ماذا لو قرأوا كتابًا صهيونيًا واقتنعوا به؟ أليس الأمر أكثر قُبحًا؟

نعم يا سادة، في حينٓ هي وظيفتنا نحن العرب والفلسطينيون على حدّ سواء تصحيح كل معلومةٍ خاطئة، إلا أننا نفضّل الاستمتاع بالنّوم والمناقشة في أي أمر كان والمنافسة بالآراء، وإذا كُنتُم لا تعلمون حقًا، فإنّ في ألمانيا، لا يدرسون التاريخ حول البلاد العربية والقضية الفلسطينية، إنّما فقط منهاجهم يقتصر على دراسة تاريخ أوروبا وأمريكا، بحجّة أنّه لا يجوز لهم التعمّق في المسائل السياسيّة، والتي أراها أنا أسلوبًا متعمّدًا لعدم منح الاهتمام لقضايانا الخاصّة، على عكسنا نحن الذين درسنا التاريخ بشكل أعمق، باستثنائنا عرب الداخل الذين درسنا ولا نزال ندرس التاريخ الكاذب الذي يُركّز حول القضيّة اليهودية كشعب فقير وضحية للظلم والاستبداد، أي بمعنى آخر وسيلة مقصودة لمسح العقول لتحقيق أهدافهم الصهيونية.

فيما سبق، أنا أيضًا سعيدٌ بالفئات التي تبادر وتساهم بعدّة مشاريع في توعية المجتمعات الغربية حول قضية فلسطين، فمثلاً، معلّمة لغة عربية في الجامعة التي أدرس بها، فلسطينية الأصل من سكان إسرائيل، تساهم كثيرًا في توعية طلابها حول قضيّة فلسطين، الأمر الذي أثار ذهولي حينها، مهنتها أن تدرّس اللغة العربية إلا أنها لم تستخفّ وتتهاون في عملها عن دورها ومهمّتها في تبرير الحقائق حول فلسطين، علّها تستحوذ على اهتمامهم في قضيّتنا هذه، منتشلةً إيّاهم من بين القطيع الضّال.

أعزائي، أنا لن أتقاعس عن فلسطين أبدًا، فٓأنا أتمزّق يوميًا على شعبي الذي يتعذّب تحت الاحتلال الصهيوني، وأريد للجميع أن يفهم نحن عرب الداخل المحتل لسنا خونة، فأٓغلبنا نحمل همّ وطن جريح ينزف تحت الحكم الظالم، من هذا المنطلق أيضًا، عليكم أنتم أن تبادروا أيضًا في أي قضيّة تخصنا معًا، بإمكانكم أن تكتبوا، أن تقاوموا، أن تزرعوا أغلالكم الفكرية في الغرب بهدف التوعية والمبادرة بعدة مشاريع ولو بعمل بسيط، بدلًا من توجيه إصبع الاتهام بحق ذا وذاك! ثورتنا هُنا هي فكريّة أيضًا، فحرّروا أنفسكم من الجهل ولا تسيروا مع القطعان الجانحة.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك