قطر في جامعة حيفا

14 ديسمبر , 2015

لطالما كانت البيئة التعليمية في جامعة حيفا بعيدة عن واقعنا العربي لغةً وأسلوب حياة، متصلة به من نظرة “إسرائيلية”، والأكاديمية ليست بمعزل عن المجتمعات، فكل ما يحملونه تجاه الشعوب العربية لا يتعدى النظرة السياسية “الإسرائيلية”. لذلك لم أعطِ لكلام المحاضرين قيمة في غالب الأحيان تجاه كل ما هو عربي وفلسطيني على وجه الخصوص، إلا أن وجود قطر غيّر نظرتي لو لفصل دراسي واحد.

رغم هذا التحيّز الصريح في كل ما يتعلق بالقضايا السياسية لا يمكن نفي قوة الأكاديمية “الإسرائيلية” وموضوعيتها في البحث العلمي، ولهذا كانت فرحتي كبيرة عندما عرفت عن مساق يختص بدولة عربية، ألا وهي دولة قطر.

قصة قطر في جامعة حيفا تتلخص بوجود مساق جامعي موجود في قسم “تاريخ الشرق الأوسط”، إسمه:
“قطر – من مجتمع قبلي لقوة إقتصادية وإعلامية”. يهتم المساق بعرض التحول الرهيب لدولة قطر في السنوات الأخيرة، وتصدرها لقائمة أغنى الدول عالميًا بعدما كانت دولة “هامشية” في منطقة غير “مهمة” – حسب تعبير المحاضر.

يلزمني للتخرج وإكمال الـ 120 نقطة اختيار 4 نقاط من خارج كلية العلوم الإجتماعية واختيار مساق أو اثنين من كلية الإنسانيات، لذلك تحمّست للمساق من خلال المقرر الدراسي، ونصحت به عددًا من الطلاب قبل أن أدخل المحاضرة الأولى، ومن ثم أعجبني أكثر بفضل المحاضر الذي يقدم المساق بصورة متميزة.
هي المرة الأولى التي أشعر بأنني أتعلم عن واقع عربي بنظرة علمية بحثية موضوعية إلى حد كبير، مع أن قسم تاريخ الشرق الأوسط هو مركز الاستشراق ونسج الروايات ودحض الحقيقة التاريخية، وغالبًا ما يستعمل كل محتل أو جائر قسم التاريخ لكتابة الرواية التي تحلو له، لكن بخصوص مساق قطر لم أشعر بذلك حتى الآن وذلك لعدة أسباب منها – حسب ظني:
– المساق يناقش التغيرات التي طرأت على دولة قطر في سياق الدولة الأغنى عالميًا، كدولة صغيرة مثيرة للإهتمام والبحث خاصة في ظل التحولات السريعة التي حصلت فيها.
– غالبية المحاضرات تتحدث عن تاريخ قطر ونشأتها التاريخية، وقضية التحول والثروات الطبيعية. ولم نصل حتى الآن للقضايا المعاصرة، كدور قناة الجزيرة وموقف قطر من الثورات العربية ودعمها لأطراف تراها “إسرائيل” كجهات معادية وإرهابية.
– المحاضر بذاته يتعامل مع المساق في إطار علمي موضوعي وشغوف ببحث دول الخليج وتركيباتها.

 

وربما تتوضح لنا هذه الموضوعية من خلال تعقيب الدكتور ماهر يونس أبو منشار – محاضر التاريخ في جامعة قطر الذي قال: التعرف على تاريخ اي مكان في العالم قضيه جيدة، وعبارة عن وسيله لإثراء معلوماتنا عن ذلك المكان سواء أكان دولة أو إقليم أو مدينة او قرية. وحبي او بغضي لأي دولة، الأصل أن لا يحول دون تعلمي لتاريخها ومعرفه السبل التي من خلالها تطورت أو العكس. أتصور أن المؤسسه الأكاديمية “الإسرائيلية” درست تاريخنا كمسلمين وعرب أكثر مما فعلنا نحن بكثير. ما عليك إلا أن تزور مثلاً إحدى مكتبات الجامعات في بريطانيا حتى تذهل. لم تترك المؤسسة الأكاديمية الإسرائيليه قضيه متعلقة ببيت المقدس او فلسطين أو أو… إلا درسوها. لذلك علينا ان لا نستغرب لو علمنا أن مقررًا عن قطر يدرس ويدرسه من هم ليسوا من أهل جلدتنا.

خلاصة الكلام لا يمكن أن نسلّم بحسن نية الأكاديمية “الإسرائيلية”، لكن من جهة أخرى لا يمكننا أن ننكر أنهم يبحثون ظواهر عديدة وفي مختلف العلوم والتخصصات، وهنا يجدر بنا أن نعرف كيف نستفيد من العلم الخالص ونميّز كل شائبة علمية أو رواية “صهيوينة” لها أهدافًا استراتيجية.

من الأمور الغريبة في المساق أنني ذُهلت عندما دخلت غرفة المحاضرة الصغيرة وإذ بها مكتظة بأكثر من عشرين عجوز قد حضروا للاستماع الحُر (وكانوا أكثر من طلاب المساق نفسه).

مشاركتي وتفاعلي في المحاضرات خلال الفصل تزيد عن مجموع مشاركاتي في كل المساقات السابقة – بدون مبالغة- هذا المساق الأول الذي أشعر بأنني أتفوق على زملائي اليهود في فهم الموضوع والتفاعل مع المحاضر.

مؤسف أنني سأدرس عن قطر في الأكاديمية “الإسرائيلية”، ومشرف لأني أعلم أنهم ورغم السياسات، أناس مهنيون يعطون الأمور العلمية حقها.

 

قطر



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك