نادني باسمي !

22 يوليو , 2016

 – “دكتور، أريد أن أسألك سؤالًا …”
– مقاطعا : “على فكرة، اسمي يوفال”

أكثرَ أحد الطّلاب العرب مرّة من قول كلمة “دكتور” في نقاشه مع المحاضر في جامعتي الإسرائيليّة حيفا، فقاطعه المحاضر طالبًا إيّاه أن يناديه باسمه دون ألقاب، لم يكن هذا الموقف غريبًا عليّ وقتها، لكنّه جعلني أفكّر في تأثيره على الجوّ التّعليميّ في الجامعة وعلى طبيعة العلاقة بين المحاضر والطّلّاب.

لا شكّ أنّ الطّالب العربيّ في الجامعات الإسرائيليّة يواجه ثقافة ونمطًا جديدًا في التّعليم يختلف عن المدرسة، ففي الوقت الّذي اعتدنا فيه على مناداة معلّمينا في المدرسة بـ “أستاذ/معلمة” فوجئنا هنا في الجامعة بأنّ المحاضرين يُنادَون بأسمائهم وأحيانًا “بتدليعاتهم” الخاصّة كما طلبت إحداهنّ منّا، فلا دكتور يسبق الاسم ولا بروفيسور ولا حتّى أستاذ، إنّما اسم المحاضر الشّخصيّ مجرّدًا من أيّ لقب.
الشيء الّذي بدا واضحًا أيضًا هو اختلاف تعامل الطّلّاب العرب مقابل تعامل الطّلّاب اليهود مع المحاضرين، وهذا بطبيعة الحال بسبب اختلاف الثّقافات بين العرب واليهود، فالمجتمع العربيّ في الدّاخل الفلسطينيّ هو مجتمع محافظ بالأساس يحترم الكبار ويوقّرهم، كما وأنّه –وفقًا لمقال أكاديميّ عبريّ- يعتمد في تعامله على المسايرة، وربّما التّملّق، في حين أنّ المجتمع اليهوديّ –مع تنوّعه واختلافاته- يتعامل بشكل مباشر و”دغري” –وفقًا لتعبير الكاتب-، وقد يعبّر عن رأيه دون الاهتمام بمشاعر من يقابله. لا يمكن طبعًا أن نُسقط صفة على مجتمع بأكمله، لكنّ الحديث هنا يدور عن ثقافة متجذّرة وواضحة في كلا المجتمعين.

إن كنتُ سأبدي رأيي في هذا التّعامل، فأنا لا أحبّ هذه الطّريقة، وأستثقل مناداة أستاذي الجامعيّ باسمه الشّخصيّ، وقد أتفادى مناداته وأبدأ بالحديث معه بشكل مباشر، ولكنّي في الوقت ذاته، أرى تأثير هذا التّعامل على طبيعة العلاقة بين المحاضرين والطّلّاب، فحين يُطلب من الطّالب أن ينادي محاضره باسمه الشّخصيّ فذلك يخلق علاقة أخرى مختلفة بينهما، فهو ليس البروفيسور أو الدّكتور أو حتّى الأستاذ، لكنّه الشّخص الفلانيّ الّذي يساعدنا لنفهم المادّة ونتخطّى المساق بنجاح، يمكن أن نرى بأنّ طبيعة هذه العلاقة خلقت جوًّا من المساواة وربّما النّدّيّة بين المحاضر والطّلّاب، وجعلت الطّلّاب أكثر ثقةً للتّعبير عن آرائهم وربّما رفض توجّه ووجهة نظر المحاضر دون أن يُؤثّر ذلك على علاماتهم، بل وقد يؤثّر إيجابيًّا.
إن راجعنا قيمنا كمسلمين عرب، نجد بأنّ هناك تشديدًا كبيرًا في تراثنا على أهمّيّة احترام الطّالب لأستاذه، ونجد بعض التّوجيهات الخاصّة لطريقة الجلوس والسّؤال والاستفسار والتّعامل، بل وقد حدث أن وجّهتنا إحداهنّ قائلة إننا لو أردنا أن نبدي رأينا الخاصّ في قضيّة ما أمام داعية إسلاميّ مثلًا، فالأفضل أن نعرض ذلك على طريقة سؤال، لا على طريقة إبداء رأي، وإن كنّا نودّ أن نُسمع الحضور شيئًا جديدًا ومهمًّا فالأفضل أن نحاول أن نستخرج ذلك من المحاضِر أو الدّاعية وذلك عن طريق السّؤال فقط، وهذا –برأيي- كارثيّ ومثبّط للتّفكير والجرأة وعرض الانتقادات، بل وحتّى مجرّد عرض الآراء دون خوف أو خجل!

الواقع أنّ كلا الصّورتين في طبيعة العلاقة بين الأستاذ وتلميذه في الجامعات الإسرائيليّة مقابل تصوّرنا نحن كمسلمين تحتاج إلى تعديل، فبرأيي يجب أن يكون للأستاذ هيبته ومكانته ويجب أن يكون هناك احترام لعلمه وجهده ومستواه التّعليميّ والثّقافيّ، في نفس الوقت يجب أن يكون للطّالب مكانته الخاصّة كإنسان مجتهد يبحث عن الحقيقة والمعرفة، كمفكّر إنسانيّ له توجّهه الخاصّ وطريقة تفكيره الّتي تميّزه عن غيره.
الّذي يجب أن نطمح إليه في جامعتنا ومدارسنا هو أن نخلق جوًّا من المساواة والاحترام المتبادل بين الطّالب وأستاذه، فللطّالب حقّ لأن يعترض ويتسائل ويناقش ويكون له تصوّر مختلف عن أستاذه، دون أن يؤثّر ذلك على علامته، وللمحاضر حقّ الهيبة والاحترام والمكانة العلميّة أيضًا.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك