ألم وأمل 

4 فبراير , 2017

لنتخيل معًا أنك أغلقت عينيك لدقائق، وقمت بمحاولة أن تسير دون أي مساعدة من الصالون إلى المطبخ مثلًا، ماذا سيحدث برأيك ؟ أعتقد أنك في البداية ستخطو بثقةٍ وتسرع قليلًا لتصطدم بكرسي أو طاولة أو قد تتعثر فتقع على الأرض، ثم تقف لتكمل طريقك بخطوات مترددة بطيئة، ويسيطر الخوف عليك بعدها قد تجد صعوبة كبيرة في أن تخطو باتجاه هدفك الذي تعرفه جيدًا،  وتخالك تعرف كل ركن في بيتك، فتكتشف أن الظلام الرهيب قد يقلب حياة أي إنسان رأسًا على عقب.
 

هذا هو حال يحيى عندما التقيت به أول مرة، يحيى طالب في الصف السابع، ضخم الجثة، يرتدي نظارات سميكة، ويحتضن حقيبة صغيرة يضمها إلى صدرة بقوة، يدخل الصف ويقول: السلام عليكم ..السلام عليكم، يسير بخطوات سريعة، فإذا به يدخل بالحائط، يعتذر مع ضحكة خفيفة.. ويكمل طريقه ليصطدم بالمقعد بقوةٍ، فيُحدث صوتًا عاليًا، عندها يسرع أحد الطلبة ليمسكَ بيده ويقول له: ” أهلًا يحيى اشتقنالك…. تعال اقعد جنبي… مش احنا صحاب يا زلمة ” الأنظار تتجه كلها لهذا الطالب، بين تساؤل ودهشة وفضول، يجلس يحيى مبتسمًا ويفتح حقيبته ليخرج ورقة وقلمًا، ويبحث عن كتاب اللغة العربية بتوتر شديد ليجده ويضعه على الدرج أمامه، فتعود الابتسامة الجميلة تشرق على وجهه الأبيض المكتنز.

فَجأةً يَصيحُ أحمد قائلاً: ” يا مس يحيى يحفَظُ القرآنَ”، يضَحِكَ يحيى، ويقول بتواضعٍ مُصَحِّحًا: ” أجزاءٌ من القرآنِ “، ثم تقفُ طالبة أخرى وتقولُ: ” يا مس إنَّه الأولَ على الصَّفِّ “… عَدّلَ يحيى منْ جَلسَتِهِ، ورفعَ رأسَهُ بزهو  وكبرياء… آهٍ لهؤلاءِ الطـلبة بعفويَتِهِمْ يُعَزِّزون ثِقته بنفسِهِ، ويرفعون منْ معنوياتِهِ، لا أدرى ما السِّرُّ وراءَ هذا الحُبِّ والتّكافلِ الذّي يَنتشرُ كعبيرِ وردةٍ ذَكيةٍ في حديقةِ غَناءٍ، ليتَ الكِبارَ يَتعَلمُون منْ هؤلاءِ الصِّبيةِ.


عندئذ عرفت أنني أمام حالة خاصة، فالمدرسة تقبل كل طالب أو طالبة لديه إعاقة مهما كانت فهي تؤمن بحق كل إنسان أن يتعلم، لذلك نجد كثيرًا من ذوي الاحتياجات الخاصة بيننا، الجميع يحبهم ويتعاون معهم.

الإصغاءُ الجيـدُ أهم ما يُمَيّزُ يحيى و يَجعلُــهُ يَحْصُدُ المعلوماتِ ويُخَزّنُهَا كالحاسوبِ، ثم يُجيبُ إجابـاتٍ صحيحـةً على كلِّ أسئلةِ الدَّرس مُتَفَوقـاً على أندادِهِ، تَرْتَسِمُ الابتسامـةُ على وجهِهِ معَ كلِّ إجابــةٍ، يَهُزُّ رأسَهُ بثقةٍ واعتزازٍ دائمًا.

أمّا في دَرسِ القراءةِ، فقد لاحظتُ أنَّه لا يفتحُ كِتابَ القراءةِ بَلْ يَضَعْهُ جَانبًا، فهو لم يَعُدْ يستطيعُ رؤيةَ الحُروفِ مَهما كُبِّرَتْ، لذلكَ يُخْرِجُ أوراقاً مُصَوَّرةً – أكبر حجمٍ – ويَضَعُهَا أمامَهُ على الدُّرجِ، كأنَّه بذلكَ يُؤكدُ أنَّه ما زالَ يرى ويَقْرَأُ!

وتمضى الأيام وانا أرقب يحيى بِحَذَرٍ خِشيةَ أنْ يَتَعـرضَ إلى أيٍّ مَوقفٍ مُحْرِجٍ، فهو إنسانٌ نبيلٌ مُرَهَفُ الحساسيّةِ، وهذا ما حَمَلَني على التّساؤلِ .. كيفَ أُقَيّمُ هذا الطالب؟ هل سيتمكنُ من قراءةِ أسئلةِ الاختبارِ أوالإجابةِ عليها؟ بلا شَكّ إنَّهُ طالبٌ مُجِدٌّ مُتفوقٌ، لكنَّه لن يتمكنَ من أداءِ الامتحانِ معَ بقيةِ طلابِ الفصلِ.. فَضَعفُ بَصرِهِ الشّديدِ قَدْ يُشَكِّلُ عَائقاً أمامَ قراءتِهِ لأسئلةِ الاختبارِ، مما يُسَببُ له حَرَجًا كبيرًا، لذلك قررت تقديرَ علامةِ اختبارِ اللغةِ العربيةِ سيكون بناء على الاختباراتِ الشفويةِ فقط.

وفي يومِ اختبارِ اللّغةِ العربيةِ، لم يُقَدِمْ يحيي الاختبارَ مع طلابِ فصلِهِ، وإنَّما اصطحَبْتُهُ إلى صَفٍّ آخر لأختبرَهُ شفويًا وحدَهُ دونَ مُساعدةِ من أحدٍ، وكعادَتِهِ فقد كُنْتُ أقرأُ السُّؤالَ بصوتٍ واضحٍ وعالٍ، وكانَ يُجيبُ على كلِّ سؤالٍ بدقةٍ مُتناهيةٍ مُسْهِبًا في الشّرحِ والايضاحِ، وهكذا استمرَتِ الاختباراتُ في مادةِ اللغــةِ العربيــةِ طوالَ العامِ الدِّراسي.

أحياناً تَترقرقُ عيناه بالدموعِ ثم تتساقَطُ منْ تَحت النَّظاراتِ السَّميكةِ إذا حَدَثَ وأخطأ في إجابةِ جزءٍ من سؤالٍ، مهما كانَ بسيطًا تَجدُهُ يبكي بِحُرقَةٍ، تجعلُ قلبي يَنفَطِرُ ألمًا وحُزنًا على حالِهِ.

جهدٌ دؤؤبٌ وذكاءٌ حَبّاهُ اللهُ بِهِ بالإضافةِ إلى اهتمامي الخاصِ بحالَتِهِ ومُعاملتِهِ بكلِّ تقديرٍ واحترامٍ، كلُّ تلكَ العواملِ مَكَنَتُهُ في نهايةِ العامِ الدِّراسي أنْ يَحْصدُ أعلى علاماتٍ في اللّغــةِ العربيــةِ مُتَألِقًا ومُتَفوقًا على زمَلائِهِ، ويكون الأول على صفه باللغة العربية.

عامٌ دِراسي كاملٌ، وأنا أشْهَدُ لوحةً تعاونيّةً جميلةً، لوحةٌ منِ المُبادراتِ الفرديةِ والجماعيةِ لِمساعدةِ يحيى في الانتقالِ مِنَ الصَّفِّ إلى غرفةِ الرَّسمِ أو إلى مَلعبِ الرِّياضةِ أو غرفةِ الموسيقى، صُعودٌ.. ونُزولٌ، دُخولٌ.. وخروجٌ، حَركةٌ دائبةٌ في كلِّ الاتجاهاتِ، يُزَيّنُها ويَزيدُها جَمالًا وإشْراقًا مُشارَكةُ يحيى في اللعبِ مَعَهُم في ساحةِ المدرسةِ، أو مُساعدتِهِ في الشّراءِ منْ مَقصفِ المدرسة، أو اختيارِ قصةٍ مناسبةٍ له من المكتبةِ ليقرأَها، أو غيرُ ذلكَ من أنشطةٍ …. تُحَوّلُ الألمَ إلى أمَلٍ.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك