أنا و”الفيزياء” والأفكار غير المألوفة

7 سبتمبر , 2018

إن مهنتي معلمةً لا تختلف عن قصتي إنسانةً؛ لأن التدريس هو حياتي نفسُها؛ حسنًا أنا لم أدْرُس في أكاديمية تربوية عريقة؛ وكانت أقدامي توصلني ذهابًا وإيابًا في رحلتي اليومية إلى مدرستي؛ فلا حافلةَ للمدرسة؛ ولا بِركة سباحة ولا مختبرَ لغات؛ ولا حفلات تخريج في نهاية العام.

كل ما هنالك غرفة صف بسيطة في مدينة العقبة جنوب الأردن؛ أتذكر أن حديقة مدرستي كانت عبارة عن شجرة كبيرة لا غيرُ؛ كل هذه الظروف جعلتني أدرك منذ صغري أن التعليم هو ما سيجعل حياتي أفضل؛ وهذا ما تحقق؛ فقد فتح التعليم لي طُرُقًا، وأعطاني أملًا للمستقبل؛ ومنحني طاقة وهدفًا عظيمًا لأترك أثرًا في حياة أكبر عدد ممكن من الناس.

ومما يدفعني للتمسك بالتدريس هو الشعور بالسعادة والنشاط بسبب وجودي بين جيل الشباب من طلبتي معهم؛ ليتجلى التحدي الدائم في أن أفهم طريقة تفكيرهم وجعلهم يفهمون طريقة تفكيري؛ وأن أكون جزءًا مَهمَا كان صغيرًا في حياة الجيل القادم.

ربما من أبرز ما فعلته أني التفتُّ إلى ما يتجاهله بعض الناس في مهنة التعليم؛ وهو إنسانية مهنتنا؛ فأن تكون معلمًا معناه أن تكون محبًّا عطوفًا على طلبتك؛ لتُسهم في توفير بيئة دراسية مريحة للتعلم.

قمتُ بتطوير أسلوبي الخاص في التدريس الذي يعتمد البساطة ويركز على المفاهيم الأساسية في الفيزياء؛ مع الحرص على ترك مساحات فارغة في عقول طلبتي للتفكير؛ لذلك اعتمد على توجيه أسئلة متنوعة تساعدني لمعرفة من أين أبدأ؟ ومن ثَمَّ أعود لتوجيه الأسئلة نفسها بعد الانتهاء من الدرس لألحظ إلى أي حد تعدَّلَتْ ونَمَتْ المعرفة الجديدة عند طلبتي؛ مستخدمة أوراق العمل وعروضًا تقديمية جذابة؛ وأحرص على تجديد أسلوبي في كل عام من خلال التغذية الراجعة لأداء طلبتي عبر الاستبانات التي تقيس ميولهم نحو دراسة مادة الفيزياء؛ لأني أهتم بمعرفة الخصائص النفسية لمجموعة الطلبة التي أتولى مَهمَّة تدريسها.

وبعد العديد من المطالعات والبحث استطعت التوصل إلى طرق لمساعدة طلابي في التغلب على صعوبة حل مسائل الفيزياء من خلال عدد من الإجراءات؛ مثل ضرورة استخدام الرسم في حل الأسئلة، وتوجيه الطلبة إلى الأخطاء المفاهيمية التي أعمل على رصدها.

وفي أثناء الدرس أضفي أجواء المرح والمتعة؛ إذ تتضمن حصصي غالبًا تجارب علمية مسلية تضع الطالب في حَيرة ودهشة مطلوبة؛ وأستعين بالكثير من المواقع الإلكترونية ذات الطابع العلمي في الإنترنت، التي تتضمن مختبرات افتراضية وتجارب محاكاة وعروضًا ممتعة؛ كما بذلتُ جهدًا في حوسبة العديد من الوحدات الدراسية مثل دروس الحركة وقوانين نيوتن.

واعتمدت أسلوب فيزياء الملعب التي تجعل الطالب يدرك أن هذه المادة تتواجد في معظم تفاصيل حياته؛ لذا نخرج معًا من الغرفة الصفية إلى ساحة المدرسة؛ وننفذ العديد من التجارب مثل تجرِبة الضغط الجوي؛ وتجرِبة السقوط الحر؛ وأُشجع الطلاب على ممارسة دور العلماء في الحصة؛ مما يفتح آفاقهم على طرق جديدة في البحث بتدخل بسيط مني؛ إذ أتبعُ طُرُقًا وإستراتيجيات متنوعة تدفع الطلبة إلى الاهتمام بموضوع الدرس، بل إيصالهم لمرحلة الشغف.

ولا أتوقف عند هذا الحد؛ بل أنطلق بصحبتهم إلى إقامة العديد من المعارض العلمية تحت عنوان الفيزياء المسلية التي اعتمدنا فيها على أفكار بسيطة في الفيزياء لتقريب المفاهيم الفيزيائية مثل تجرِبة الكرسي والسُّلَّم لتوضيح مبدأ القصور الذاتي؛ وتجرِبة البندول البسيط؛ وتجربة زمن رد الفعل؛  وتجربة مركز الثقل وخداع الحواس؛ وبفضل الله تم تنفيذ التجارب بأقل التكاليف؛ وصممنا أنموذجا للقبة الفلكية لتمثيل الكواكب والنجوم والشهب وغيرها.

وعلاوة على ما سبق؛ فإنني ألهمهم لطرح الأبحاث العلمية بحيث تتسم مواضيعها بالجِدة فتخرج عن المألوف؛ مثل الشفق القطبي و والألوان”؛ واعتمد أسلوب المشاريع العلمية مثل مشروع رحلة إلى البحر؛ وعلى سبيل المثال أجرى طلابي بحثا عن الخصائص الفيزيائية والكيميائية لمياه خليج العقبة؛ وصممنا موقع ويب لهذا المشروع.

وأحرص على توفير جو آمن في الصف خالٍ من العنف؛ لأنه على قدر سلام المعلم الداخلي يمكنه أن يعزز في طلبته فكرة تقبل الاختلاف مع الآخرين.

لم يشغلني يومًا أن أكون محط الأنظار؛ كان كل همي أن أكون مؤثرة قي الدائرة الصغيرة التي تحيط بي؛ ولم أدرك أن دائرتي الصغيرة آخذة في الاتساع مع كل دفعة تتخرج من طلابي؛ وتتوالى السنوات وفي كل مرة أستقبل طلابا جددًا.

وكانت أولى محطات التحول في حياتي المهنية عندما فزت بـ جائزة الملكة رانيا للمعلم المتميز في دورتها الأولى لعام 2006 التي منحتني إحساسًا بالثقة بطريقتي التي طورتها في أثناء التدريس؛ إذ لم أختر طريقًا مألوفًا اعتاده الجميع؛ فكنت أبتكر طرقًا أدمج فيها مواضيع الفيزياء مع حياة الطالب اليومية؛ ونجحتُ في لفتِ أنظارهم إلى حكمة الله سبحانه وتعالى وإبداعه في الطبيعة.

وفي مجتمعاتنا العربية التي تعتنق مفهومًا مشوهًا للتميز؛ لا سيما إزاء المعلم الذي يحدث زوبعة من الضجيج المزيف حوله؛ كنت أُفَضِّل العمل بصمت؛ والحمد لله كما هي عادتي أحب خوض التجارب الأولى من كل شيء؛ شاركت في جائزة المعلم العالمي في دورتها الأولى لعام 2014.

لأرى أن لأفكاري صدًى عالميًّا، وصُنفت ضمن قائمة أفضل خمسين معلم في العالم؛ وأصبحتُ واحدة من سفراء التعليم في العالم؛ مما أتاح لي فرصة التعليم على تجارب عالمية قد لا تبدو مألوفة في مجتمعي؛ لذا حَرَصتُ على المشاركة في المنتديات التربوية ومنتدى قدوة في الأردن أبو ظبي ودبي على الرغم من كل الصعوبات التي تواجهني؛ ونقلت تجرِبتي إلى زملائي في الأردن من خلال عقد ورش عمل متخصصة حول كيفية إعداد مواطن عالمي وتقبل الحضارات الأخرى.

لم تنتهِ حكايتي مع التدريس؛ وما زلتُ أؤمن أن إحداث تغييرات بسيطة في بيئة التعليم من شأنها أن تحدث تغييرات كبيرة في عقلية المتعلم؛ وما زال ذلك الحلم بالتفوق والتميز يراودني؛ وكل نهاية طريق سَرعان ما تتحول عندي إلى بداية جديدة.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك