أولياء الأمور.. عندما يصبح الشخص عدو نفسه!

1 ديسمبر , 2018

كما لا يمل أغلبهم من تَكرار شكواهم دون محاولةِ فَهْم سبب المشكلة ومحاولة حلها بمنطقية وموضوعية، لن أمَل من تَكرار أن عدوي الأول والأخير في العملية التعليمية هو أولياء الأمور ).

أتذكر جيدًا وقت عملي مُعلمة للصفوف الإعدادية، كان من السهل للغاية التعامل مع الطلاب حتى عندما حذرني أغلب أصدقائي من هذا السن وصعوبة التعامل معه، لكنني وجدت العكس تمامًا، كل ما تحتاجه هو التحدث معهم بعقلانية واحترام لوجودهم وأفكارهم واختياراتهم، وستجد أنهم يستجيبون لك بوصف ذلك نوعًا من الاحترام المتبادل، وليس الخوف.

نعم كانت توجد بعض الاستثناءات وبعض المشاكل، لكن في النهاية أي مشكلة مع طالب كان يمكن حلها بسهولة إلا عندما يتدخل الأهل في الأمر، سواء بشكل شخصي تمامًا أو من خلال أسلوب تربيتهم أو فكرهم الذين يصرون على فرضه على الطالب عندما يحاول التحرر قليلًا والتعامل بمنطق بما يمليه عليه عقله.

حقًا.. ما مشكلة هؤلاء القوم؟

لقد حاولت تحليل المشكلة والتفكير فيها، لكن ليس لوقت طويل في الواقع لأنني أشعر بالملل من تذكر مواقفهم، وبعد التخلص من غضبي وضيقي حول هذه المواقف، استطعت تقسيمها إلى نقاط صغيرة ربما توضح سبب كل هذه التصرفات التي تفسد أكثر مما تصلح على الرغم من وجود حسن النية في أغلبها، لكن حسن النية وحده لا يكفي لتربية الأبناء.

 

الصورة الذهنية المرسومة لشكل حياة الطالب:

منذ علمهم بخبر وصول طفل جديد إلى حياتهم، يبدأ الأهل في التخطيط لشكل حياة هذا الطفل (تعليمه، وظيفته، درجته الاجتماعية، زواجه). يأتي هذا المسكين إلى الحياة وهو مُحمل بأعباء وأحلام من سبقوه ولم يستطيعوا تحقيقها، ومن المفترض به أنه يعمل جاهدًا لتحقيقها منذ أول يوم في المدرسة، والآن تطور الأمر قليلًا فأصبح (prenursery) أو مرحلة ما قبل الروضة، حيث تجد أشكالًا وألوانًا من مراكز الرعاية والحضانات التي تعرض عليك أحدث أنماط التعليم الأجنبي مع عدد وافر من اللغات الأجنبية والمهارات الرياضية العقلية، وربما يعرضون مستقبلًا مقعدًا في مجلس الأمن كنوع من التميز لضمان مستقبل الطفل المسكين.

أصبح التعليم مثله مثل سائر المجالات في العالم، وسيلة للربح والكسب، والتاجر الشاطر هو من يستطيع اللعب بعقول الزبائن وبيع بضاعته بأعلى سعر، ولكن على الرغم من وجود هذه النماذج (بكثرة) بيد أنه لا يزال هناك مُعلمون ومؤسسات تربوية وتعليمية يحاولون جاهدين تحقيق معنى التعليم وأهدافه السامية.

هنا توجد المشكلة، حيث اعتاد ولي الأمر أن يتعامل مع التجار الذين يحولون طفله لطفل آلي يتحدث اللغات بطلاقة، يحسب العمليات الرياضية الصعبة بسرعة صاروخية، ويحوز على كافة الميداليات الأولمبية في الرياضات المختلفة.

تحاول جاهدًا أن تشرح أن هذه مجرد مدرسة تحاول خلق حالة من السعادة لدى الطفل؛ كي يكتشف الحياة ببساطة وتلقائية ويتعرف على ما يرغب في فعله حقًا في هذه المرحلة من عُمره، دون أن يكون مُطالبًا برسم خطط مستقبلية لمهنته ووظيفته، ولكن بلا فائدة! لقد أصبحت مُعلمًا فاشلًا تسعى لتدمير وقتل طموح الطفل الصغير في أعمال بلا فائدة كاللعب والموسيقى والرسم، أو حتى بعض الحسابات الرياضية البسيطة التي قد لا يتقنها أغلب الطلاب لأنهم ببساطة شديدة لا يحبون الرياضيات، وهذا لا يعيبهم في شيء!

 

المُعلم يمتلك عصا سحرية:

نعم أعتقد أن أغلب أولياء الأمور يؤمنون بهذا أشد الإيمان دون أن يدركوا ذلك أو يصرحوا به بشكل مباشر.

كُل مُعلم يمتلك عصا سحرية يخفيها في درج مكتبه، بمجرد أن يطلب منك الأب أو الأم محاولة علاج مشكلة ما في ابنه عليك أن تخرجها وتلقي التعويذة السحرية على الطفل؛ فيتبدل حاله فورًا.

المُعلم في النهاية مهما كانت درجة علمه ودراسته، لا يملك كل الحلول لمشاكل الطفل، وربما ما تعتقد أنه مشكلة هو ليس كذلك ألبتة، لكن دعونا نتحدث في هذه النقطة لاحقًا. على أولياء الأمور إدراك أن هناك بعض المشاكل التي تستلزم تدخل المختصين والخبراء التربويين والنفسيين والاجتماعيين، على حسب نوع المشكلة، ربما أفضل ما يمكن للمعلم فعله هو محاولة نصحك للجوء لهذا المختص، وبهذا الشكل هو لا يتهرب من علاجها كما يتخيل أغلب الأهالي، بل يحاول مساعدتك بأفضل ما يمكن فعله.

في النهاية العملية التعليمية غير مقتصرة فقط على مثلث (الأهل الطالب المُعلم)، بل هناك أطراف أخرى عديدة يجب أن تدخل في هذه المعادلة التي آن أوان تصحيحها.

 

أولياء الأمور.. المشكلة دائمًا عند غيري!

لا يعترف أغلب أولياء الأمور بوجود مشكلة حقيقية بشخصهم وطريقة تفكيرهم وتعاملهم مع أطفالهم، حتى وإن اعترفوا على استحياء تجد هذه الجملة الغبية التي تعترض محاولاتك للتفاهم معه بطريقة عقلانية بس برضة أنتم في الآخر المدرسة وأنتم اللي تتصرفوا أنا مش فاضي للحاجات ديإذن لماذا قمت بإنجابه؟!

أعلم إجابة السؤال وأنا أطرحها، لقد أنجبته لأن هذا هو التطور الطبيعي لدائرة حياة البشر (تعليم عمل زواج إنجاب) ولكن بعض الناس يفعل هذا بفهم وقصد، والآخر يسير كما سار الآخرون، وأنت في الأغلب من هذا النوع الذي لا يهتم بالنتائج، لكن فقط يقوم بالفعل، لذلك نحن الآن في هذا الموقف السخيف حيث نتناقش حول هذه المشكلة التي تعتقد وحدك أنها تخص طفلك ولكن في الحقيقة هي في عقلك الذي لا تحاول إعماله ولو لبضع دقائق، وهذه المشكلة صدقني ليس لها أي حل سوى أن تفهم أنك أنت السبب الحقيقي وعليك أن تبحث لعلاج شخصي لنفسك قبل أن تبدأ في إلقاء التهم على المدرسين أو المدرسة أو المناهج أو الأسوأ طفلك.

 

المال مقابل التعليم الجيد:

بشكل عام لا تتفق فكرة أن دفع الكثير من المال في مقابل خدمة أو سلعة ما، أن هذه السلعة هي الأفضل بالضرورة أو حتى جيدة، وعندما نتحدث عن التعليم يجب أن ندرك بشكل كامل أن الضمان الوحيد للتأكد من أن الطفل يحظى بتعليم جيد، هو وجوده في أيد أمينه عاقلة ذات فكر ورسالة سامية.

هؤلاء من يبحثون عن الشهادات الغالية واللغات الأجنبية ومحاولة الارتقاء في سلم المجد الاجتماعي عن طريق الدفع بأبنائهم في أفضل المدارس (اسمًا لا فعلًا) عليهم بأن يدركوا أن معادلة المال مقابل العلم لا تنجح في أغلب الأوقات، خاصة أن التعلم عملية تلقائية وطبيعية في نفس البشر يمارسونها قبل اختراع المدارس الدولية والحضانات الخاصة.

ومرة أخرى أكرر أن هناك فارقًا كبيرًا بين الرعاية والتربية، فولي الأمر الذي يدفع المال الكثير في سبيل أن يوفر لطفله كل وسائل الترفيه والتعليم يجب أن يدرك أن كل ما يفعله تحت فئة الرعاية لا التربية. الطفل في النهاية بحاجة لوجود عامل بشري يشعره بالمساندة، ويستمع له، ويشاركه في خبراته وتجاربه، يشعره بقيمته إنسانًا يمتلك رؤى وأفكارًا تجاه هذا العالم، ويساعده على تحقيق طموحه الشخصي من خلال إمداده بالدعم النفسي والمادي من خلال التربية والرعاية، وعندما أذكر كلمة (مادية) فلا يشترط بها أن تكون في شكل أموال، بل يمكن أن تكون من أبسط الأدوات والوسائل من البيئة المحيطة على حسب إمكانيات كل فرد، في الواقع عملية التعلم لا تحتاج إلى كل هذه البهرجة لتحقيقها.

 

ختامًا لا أنكر أنني في أوقات قليلة أحمل بعض التعاطف تجاه أولياء الأمور وحَيرتهم المستمرة في كيفية التعامل مع الأبناء، لكن أظل أفكر طوال الوقت، إن كنتم غير قادرين حقًا على رعايتهم وتربيتهم، لماذا تصرون على إنجاب المزيد من الأبناء وجلب التعاسة إلى حياتهم بهذا الشكل؟ لماذا لا تحاولون التفكير خارج الصندوق والعمل على حل مشاكلكم قبل أن تلقوا بالتهم عليهم؟ لماذا تصرون أن تعيشوا طبقًا لنمط حياة قاتل لكل روح الإبداع وتجبروا أبنائكم على اتباعه بخوف مريض من أن يصبحوا مختلفين وتسحقهم الحياة دون رحمة!

الحياة ستصبح أفضل عندما تتوقف (الأغلبية) عن الخوف من عدم اتباع النمط السائد، وقتها سنترك المجال مفتوحًا لكل محاولات الاختلاف كي نفهمها ونتقبلها دون أن نُجبر أجيالًا كاملة من أطفالنا وأطفال أطفالنا على الاستمرار في هذا الهراء للأبد.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك