احْفَظْ .. لَوّن

2 يناير , 2017

قبل أكثر من عامين، دخلتْ بهدوء إلى بيتنا الصغير، جاءت من بنجلادش ببشرة سمراء داكنةٍ وابتسامة رقيقة وقلبٍ طيبٍ، وسرعان ما أصبحت فردًا من عائلتنا، كانت لا تعرفْ القراءة َ والكتابة، مُسْلمةٌ ولا تعرف شيئًا عن الإسلام.
وفي مساء كل يوم تقريبًا، عندما أبدأ في تدريس حفيدي صالح ( 6 سنوات )، تقترب من الطاولة التى نجلس حولها، تدنو بصمتٍ وتتابع باهتمام كل ما نقوله أو نكتبه أو نرسمه، وغالبًا ما تتركنا وفي يدها كتاب الدين الإسلامي تحاول إخفاءه عنا، وتحمله معها إلى غرفتها.

15841166_10154202250403316_947664619_n


بعد شهر، اتّصلتْ هاتفيًا بأهلها في بنجلادش، تحدثتْ معهم طويلاً، ثم شرعت في قراءة أرقام الحوالة النقدية لهم، حاولتْ أن تقرأ أول رقم باللغة الانجليزية، فكانت تخفق مرةً وتكرر الرقم مرة أخرى، محاولاتٌ كثيرةٌ تلاها تغير في نبرة صوتها ثم أغلقت الخطّ غاضبةً، وبدا الحزن واضحًا على ملامح وجهها، عندئذ أدركت أنها لا تستطيع القراءة، فأخذت الهاتف منها وأعدت الاتصال ثانية، قارئة الأرقام مرةً أخرى حتى يتمكن أبناؤها وأهلها من استلام النقود، وكما قال الشاعر أبو العلاء المعري:
الناسُ للناسِ مِن بدوٍ وحاضِرَةٍ.. بَعضٌ لبعضٍ وإنْ لَم يشعروا خَدَمُ.
جمعت أحفادي صالح وأوس وزينه (6 سنوات و3سنوات ) وقلت لهم: ألا تحبون أن تكسبوا أجرًا وثوابًا عظيمًا من عند الله سبحانه وتعالى؟! صاحوا بفرح : آه .. بدنا يا تيتا .. بس كيف؟!، أشرت بيدي إلى ( أسيا ) وهي تنشر الغسيل، هي تحتاج لكم فهي لا تعرف الأرقام العربية والإنجليزية، كما أنها لا تعرف الأحرف العربية ولا تستطيع قراءة القرآن، ما رأيكم لو تعاونا جميعًا في تعليمها، قرار جعلهم يقفزون فرحًا لأنهم سيقومون بدور جديد في الحياة دور المعلم لا الطالب، بدأ صالح يُعَلمُها الأحرف العربية والأرقام العربية والإنجليزية، أما زينه كلما علّمتُها شيئًا تَرْسمه تسرع إلى أسيا وتعلمها إياه، وحفظ القرآن وتجويده مهمة أوس فهو يحفظ جزء عم ويجيد تلاوة القرآن.
وتشجيعًا للجميع على حفظ جزء عم، اخترت صورة على شكل قلب تحوى أسماء كل السور القرآنية الموجودة في جزء عم، طبعت منها عدة نسخ ثم علقتها على الحائط الخاص بالصغار في بيتي، حيث اعتادوا أن يعلقوا عليه كل ما يرسمون أو يكتبون.
وبدأ السباق… وبدأ التحدي واشترك الجميع في مسابقة الحفظ، حرصٌ شديدٌ واهتمامٌ كبيرٌ بمساعدتها على اللفظ الصحيح والحفظ للسور القرآنية، وما أن تتمكن من حفظ سورة حتى يتسابق الجميع إلى الحائط، ويعطوها القلم لتلون السورة التي حَفِظَتْ، تُمْسِكُ القلمَ بخجلٍ، ولكن الضحكة العالية تظهر مدى سعادتها، تُلوّنُ وسطَ تشجيعٍ وتَهليلٍ منَ الصّغارِ، ثم أسمع حفيدي صالح يقول لها مُقَلّداً طريقتها في الكلام وبلهجتها العربية المُكسرة: إنتَ احفظْ… لوّن  احفظ ْ… لوّن، احفظ… لوّن، تلوّن و تَحْلمُ أنْ تَتَعَلّمَ أكثر.. وأكثر.. لِتُعَلّمَ أبناءَها كُلّ مَا تَعَلّمَتْ.

img_7673
مُتفائلةٌ أنه ومع اقتراب شهر رمضان الفضيل سيكتمل هذا القلب بألوانه الزاهية نابضًا بالحبّ لكلّ البشرِ مؤكدًا أنَّ أسعدَ النّاس مَنْ أسْعَدَ النّاس…



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك