التعليم ليس تجربة وردية ولكنها تجربة تستحق!

11 فبراير , 2019

عندما وَطِئت قدماي أوَّلَ مدرسة لأعمل فيها، لم أكن أحمل في ذهني من قلق سوى طرائق التدريس التي سأتَّبعها، وتلك النَّظريَّات الَّتي درستها في الجامعة، وأيُّ مكانٍ ستحتلُّ في غرفتي الدِّراسيّة لأطبِّقها، لم يكن يخطر في بالي ذلك المشهد؛ مقاعد مكتظة بالتلاميذ في غرفة صغيرة. لا مكان لتلك الأركان التعليمية التي درسنا عليها ولا لمكتبة صغيرة يستعير منها التلاميذ كتبًا ولا حتى زاوية صغيرة لألعابٍ أو مسرح دُمى كانت الحقيقة الوحيدة الرَّاسخة في ذهني أنَّ هناك تحديات علي أن أتجاوزها لأبدأ.

كانت المهمَّة صعبة؛ فهناك وقتٌ لا بدَّ أن يمضي في التفكير والحزن والأسف. إنّ الكارثة تبدأ حين يستسلم المعلّمون لهذا الواقع وحين تصبح هذه الظّروف الشماعة التي يعلق عليها المعلمون إخفاقاتهم متناسينَ أن بناءً بشريًّا سوف يتهاوى إن نحنُ جلسنا مكتوفي الأيدي لنشاهد ونتذمَّر، إنَّ البيئة الصَّفية تنعكس بعناصرها على نفوس التلاميذ ودافعيتهم للتعلُّم لكنَّها لا تتركز في الأمور المادية من مساحة وإضاءةٍ ومقاعد وجدران، البيئة الصَّفيَّة هي مناخٌ عام من العلاقات المتبادلة بين التلاميذ والمعلم؛ إنَّ هناك فارقًا بين ما يحدث حولك وما تراهُ بعينيك واستجابتك لما تراه.

بعد سلسلة من التجارب توصَّلتُ لقناعة أن التواصل الفعَّال المؤثر مع تلاميذي يبني بيننا علاقة متينة؛ تلك النظرات المتبادلة والضحكات التي تعلو حين يتحولُ الدَّرسُ إلى أغنية.. تلك اليدُ التي تحنو وتربُت وتفتح الكتاب عند الصَّفحة المطلوبة وذلك الصَّوت الذي يعلو في لحظات، ويخفتُ بهمساتٍ؛ فيصمتُ الجميع مترقِّبًا لما سيقال، أو حين تُغمَضُ الأعيُنُ لترحل الأذهان في رحلةٍ إلى غابةٍ أو حديقة ننقذ فيها الأشجار.

إنَّ الخيال أكثر اتساعًا من الواقع إنَّهُ عالمٌ رحْبٌ وحدهم الأطفال من يستطيعون مزجه بواقعهم؛ فلا تغدو الجدران والأسوار والمقاعد حدودًا لهم إلا إذا لم يعِ المعلِّم هذه الحقيقة، وكان جامدًا في تفكيره متوقِّعًا من الطّالب أن يكون لصيقًا للمقعد.

إنَّ سلوك التلاميذ في الغرفة الصفية هو انعكاسٌ لسلوكِ معلِّمهم؛ فما زال هناك معلِّمون يجلسونَ طوال وقت الحصَّة ملقِّنينَ طلبتهم في عصرٍ يُناَدى فيه بدور المعلِّم على أنَّه موجِّهٌ وميسِّر وعلى الطَّالب أن يكونَ محورَ العمليَّة التعليمية؛ لتتكوَّن المعرفة بين يديه يبحثُ عنها ويصوغها بلغته، يستثمرها في حياته ويسخِّرها لحل مشكلاته.

إنَّ طريقة حفز التفاعل والمشاركة والحوار أساليب تعود إلى عصر سقراط، وهذا ما يدعونا إلى السخرية من النظم التقليديَّة في التعليم، التي يلجأ فيها المعلم إلى طرق بدائيَّة تسبق عهد سقراط بآلاف السنين، طرق تعود إلى تلك الوسائل التي تعلم منها الإنسان ما يضمن له البقاء والعيش كتعلم الصيد من خلال المشاهدة والتكرار والتلقين.

    إنَّ بعض المعلمين غير الأكفاء يلجؤون إلى التلقين بسبب مشكلاتهم المتعلقة بقلة معلوماتهم أو سوء استخدامها، ويعتمد منهم عليها بصورة أساسيَّة كأنها وسيلة لتمضية وقت الحصَّة التي لم يعدُّوا لها إعدادًا جيّدًا. وهو أسلوبٌ في مؤسَّساتنا التعليميَّة بأجمعها لا في المدرسة فحسب، بل في الجامعات أيضًا فما زال هناك مدرسون يجلسون ويسردون لطلابهم المعلومات في بطء مرير. إنَّ هذا يجعلني أسترجع تعبير والدي الدكتور محمد القواسمة ففي إحدى حواراتي معه كانَ يقول إنَّ التلقين هو لغة المقبلين على الموت؛ فالمحتضِر يُملي كلماته على من حوله بشكل متقطـع وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة.

إنَّ التعلُّم الحقيقي هو الذي يرتبط بالحياة ويبعث الحياة. هو إثارة تفكير الطَّالب والجهد الذي يبذله ليحصل على المعرفة بالتجرِبة والبحث والتفكير فيكون لقيمتها لديه الشيء الكثير. وهنا يكونُ المعلِّمُ داعمًا وحافزًا وموجِّهًا إلى النَّاحية التي ينبع فيها نور الحقيقة ولذَّة الوصول إليها.

  وإنِّي أرى أنَّ الحصَّة الناجحة كقصَّة أرويها تتكلَّلُ ببداية تثير تشويق حاضريها، تستمدُّ طاقتها من انجذاب من يسمعها وتنتهي بالعبرة المستفادة والتأمُّل في مراحلها.

   فالتمهيد للحصَّة هو ذاك البريق الذي يثيرُ انتباه المتعلِّمين هو حدثٌ أو صورة، كلمة أو حكاية فيلم فيديو أو مشهد تمثيلي يتطلَّب أن يكون عنصر التَّشويق حاضرًا فيه؛ ففي درس يدور حولَ حقوق الطفل في المدرسة قد تخفي المعلِّمة مقعد أحد الطلاب ليعود بعد الاستراحة؛ فلا يجده، وهنا يحتارُ الطلبة، ويبدأ نقاشٌ بين المعلِّمة والطلبة عن حلِّ هذه المشكلة، وماذا لو كان الطلبة في الموقف نفسه فماذا سيفعلون! إنَّ ما يقدِّمه التلاميذ من إجابات هو عصفٌ ذهنيٌّ يثير التفكير دون أن يشعر التلميذ أنه أمام اختبار يخشى فيه من الإجابة أو موقفٍ تعليميٍّ يستلزم استحضار عباراتٍ رنَّانة أو إجاباتٍ نموذجيَّة.

  وفي منتصف الأحداث لا بدَّ أن يتعلَّم الطلبة بمشاركة زملائهم في مجموعات لينجزوا مهمَّة تحقِّق أهداف الدرس فالتعلُّم في سياقٍ اجتماعيٍّ يعزِّزُ لدى المتعلِّم قيم المشاركة واحترام الرأي الآخر وارتباط نجاح الفرد بنجاح الآخرين، وقد يتخلَّلُ هذه المهمة لعب الأدوار، وهنا يكون لــ لغة الحوار بين المعلِّم والطَّلبة دورٌ كبير؛ فهي لا تقتصر على ما هو معتاد من تعليماتٍ وقواعد، فقد يكون لعبارات أو إشارات معينة دلالاتٌ تستثير سلوك الطَّلبة ليُوجَّه نحو تحقيق أهداف الدَّرس في جو تسود فيه المتعة والفائدة.

  وتنتهي الحصَّة الناجحة كنهاية القصص تتجمِّعُ الخيوط جميعها لتلتقي في حلِّ عقدةِ التَّساؤلات التي حيَّرت التلاميذ والتي نجح المعلِّم في استثارتها. إنَّ خاتمةَ كلِّ حصَّة تقييمٌ لأداء المتعلِّمين وتقديمٌ للتغذية الرَّاجعة المناسبة لأداء كلِّ مجموعة. وتعزيزٌ لجهد كلِّ طالبٍ مهما تباينت القدرات والفروق الفرديَّة بينهم.

  إنَّ تجربة التَّعليم تجربة ممتعة وجميلة، لكنَّها ليست ورديَّة، بل هي طريقٌ محفوف بتحديات شتى، لا يمكن أن يتميَّز فيها سوى المعلِّم العاشق لمهنته والمحبِّ لتلاميذه، والمتأمِّل في ممارساته، والمتقبِّل للنقد والنَّصيحة، والمقبل على تعليم ذاته مدى الحياة.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك