“الروبوت” علامة فارقة لِمَدرستي

29 أغسطس , 2018

إن التعليمَ واحدٌ من أفضلِ الوظائف في العالَم؛ فمُراقبة الطالب وهو ينمو ويزدهر مكافأةٌ عظمى لجهودنا؛ و الاستماع للطفل الخَجُول في أثناء مناقشته مشروعًا له مثيرًا حوله التساؤلات العلمية أمرٌ يفتح قلوبنا قبل أعيننا؛ وهذا هو شريان الحياة الذي يُغذي قلوبنا، ويجعلنا نرغب في الاستيقاظ في الصباح للقيام بذلك تارةً أخرى.

إن قصتي مع التدريس تتجاوز عشرين عامًا؛ فقد عملتُ في إحدى مدارس وَكالة الغَوْث لتعليم اللاجئات الفِلَسطينيات منذ عام 1993؛ لم يكن تصوري لمهنة التعليم مشابها لما واجهتُه في تعليم الطالبات اللاجئات في عمر المراهقة لمادة الفيزياء؛ إذ لم أجد أي اهتمام من قِبل الطالبات للمادة؛ ذلك أن خيارَهن المفضل كان الزواجَ المبكِّر بسبب عدم قدرتهن المادية على دفع رسوم دراستهن الجامعية، ولذلك فقدْنَ الرغبة في الاهتمام بمادة الفيزياء لصعوبتها؛ ناهيك عن الحالة النفسية التي تواجه مجتمع اللاجئين نتيجةَ عدم الاستقرار.

بدأتُ رحلةَ إحداثِ التغيير في حياة طالباتي وتوجهاتهن العلمية عام 2008 حينما رُشِّحت لدورة في الروبوت التعليمي في مركز اليوبيل للتميز؛ وبينما يتساءل الكثير من المعلمين حين يتم ترشيحهم للدورات: “ماذا سيُلقَى على عاتقي من مهامَّ جديدةٍ ستضاف إلى كاهلنا المثقلِ على أيِّ حال؟”؛ كان همي كيف سأنقُل هذا العلمَ الجديد إلى طالباتي اللاجئات؛ فقد شعرتُ أن هذا العلم سيكونُ نافذةً مشرعة عبر “الروبوت” نحو مستقبل مفتوح الآفاق؛ وذلك مع تحديات لا يُستهان بها في ظل بيئة لا تتعدى فيها نسبة توافر الحواسيب في منازل طالباتي 25%.

في البداية عملتُ على إدخال مادة الروبوت بوصفها نشاطًا لا منهجيًّا في المدرسة التي أعمل بها من خلال جمع تبرعات من مانحين للحصول على أجهزة الروبوت؛ درَّبتُ الطالبات في حصص الفراغ وخارج أوقات المدرسة؛ لم يكن لدينا مختبر للروبوت؛ فالتجأت إلى مختبر العلوم بعد انتهاء الحصص المقررة؛ وعندما لاحظتُ تميُّزَ بعضِ الطالبات في مجال الروبوت، سعيت للحصول على دعم مادي من داخل وكالة الغوث وخارجها؛ لإشراك الطالبات في المسابقات الوطنية والعربية وإخراجهن من نطاق المخيم، وفتح الفرصة أمامهن للحصول على بعثات من مدارس خاصة كبيرة ومن الجامعات بعد اشتراكهن في المسابقات. 

وأفتخر بأن مدرستي هي الوحيدة على نطاق اللاجئين الفِلَسطينيين في الأردن التي تدَرِّب الطالبات على الروبوت، وكذلك على استخدامه في تدريس قوانين الفيزياء الميكانيكية.

دأَبْتُ في بداية كل عام على تدريب مجموعة جديدة من الطالبات على علوم الروبوت؛ إذ تتقدم أولًا أكثر من 100 طالبة لامتحان الروبوت، وبسبب قلة الموارد أقتصر على اختيار عدد يتراوح ما بين 20 إلى 25 طالبة؛ وبدوري أساعدهن على التصميم والتركيب والبرمجة، وتتاح الفرصة لمجموعة منهن في الاشتراك في المسابقة العالمية للروبوت FLL حيث تُعرَض على المشارِكات مشكلةٌ عالميةٌ يتعين عليهن البحث عن حل لها من خلال المسابقة والبحث العلمي؛ مما يفتح للمتفوقات طريقًا جديدًا للحصول على شهادة التفوق العلمي من وزارة التربية والتعليم الأردنية، وبالتالي الحصول على مقعد جامعي في تخصص مميز.

وإن دوري التطوعي في تدريب طالبات مدرسة “إناث إربد الإعدادية للاجئات الفِلَسطينيات” في مدينة إربد ومخيمها على الروبوت الذي يُعَدُّ علمًا حديثًا؛ له أكبر الأثر في تغيير نظرة الأهالي للمعلم وللمدرسة. 

وبلا مبالغة بات “نادي العلوم والروبوت” علامةً فارقةً للمدرسة التي أعمل بها؛ وقد ساندني في تطويره إدارة المدرسة وزميل لي هو “مشرف المصادر” حقًّا كانا مصدرَ عون كبيرًا لي في كل المراحل؛ وبفضل الله يأتي الأهالي خصيصًا لنقل بناتهم إلى المدرسة للانضمام لهذا النادي؛ وفي العام الماضي كانت ثقة الأهالي عالية لدرجة أنهم سمحوا لفريق روبوت الأطفال المكون من خمس طالبات في الصف الرابع لمرافقتي إلى دولة قطر للاشتراك في المسابقة العربية. 

ولم يكن علم الروبوت هو الوحيد الذي استخدمته في التعليم؛ ذلك أني أنتهج مبدأ “الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها أخذها”؛ وبالتالي استخدمتُ في تدريسي للعلوم والفيزياء كل ما شعرتُ أنه سيسهل الفهم على طالباتي؛ من أساليب حديثة مثل: التعلم بالمشاريع والخروج من الغرفة الصفية والتعاون مع المجتمع المحلي. 

أخيرًا لا أدعي أني أَفضَلُ مَن علَّم الفيزياء؛ إذ أدرك جيدًا أن معظمَ مدرِّسي الفيزياء ماهرون بتدريسها؛ ولستُ أفضلَ مدربٍ للروبوت فهذه شهادة لم أحصُل عليها؛ ولكن يكفيني أن طالباتي لا تكرهْنَ حصتي، وأني نجحت في تشجيعهن على ربط المادة بمواقف من حياتهن، حتى ولو لم تستطعن حل مسائلها أحيانًا.

أن تشارك طالبة لي في مسابقات الروبوت وهي من مجتمع اللاجئين المهدد دومًا بإغلاق المدارس؛ فهذا من شأنه أن ينمي طموحها ويؤهلها للالتحاق بالجامعة على المستوى النفسي والعملي؛ لتغدو قادرة على المنافسة والتفكير العلمي السليم.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك