العِيال كِبرِت!  

26 أبريل , 2018

دخلتُ إحدى المدارس في أول يومٍ لي فيها؛ فقفزَتْ أمامي إحدى طالبات التوجيهي مبتسمةً مسرورة : “مِس أنتِ هنا ?! اشتقتُ لك، أنتِ درَّستني في مدرسة كذا قبل سنوات، أنا كنتُ وقتها في الصف السابع” !!

 

الزمن يُغيِّر…

وفي موقفٍ آخر حدث أني درَّستُ طالبات الصف الرابع في إحدى المدارس، وكانوا كمجموعة من أجمل وألطف وأهدأ وأرقِّ وآدَبِ الطالبات -وبشهادة كل معلماتهم أيضًا-، ثم قدَّر الله أني عُدتُ للتدريس في تلك المدرسة نفسها بعد سنوات، فلقِيتُ الطالبات أنفسهنَّ وقد كَبِرْنَ، وأصبحنَ في الصف الثامن، ووجدتُ أنهنَّ -وبشهادة جميع المعلمات– قد صِرْنَ أشْغَب وأسوأ صف في المدرسة، بل الأكثر مشاكل داخل وخارج المدرسة!!

 

الزمن يمضي…

وعلى الفيسبوك أتابع أخبار بناتي من مختلف المدارس.. لقد كَبِرْنَ.. ومعظمهنَّ أصبحنَ طالبات جامعة في مختلف التخصصات!

 

الزمن يُنمِّي…

كلما تأملتُ مثل هذا فورًا أهتف مبتسمة: العِيال كِبْرِتْ يا اخوانّا.

تُرى كم حجم فرحة وسعادة الوالدَيْن وهما يَرَيان أطفالَهما يكبرون أمامهم عامًا بعد عام ?? هذه بالضبط فَرحتي وسعادتي وأنا أرى بناتي يَكْبَرْنَ أمامي!

 

أَرَاهُنَّ -أو أعلم أخبارهنَّ- وقد خلَعْنَ مريول المدرسة، ولكن لم يخلَعْن الوفاء لمعلماتهنَّ! الوفاء حتى لـ تلك المعلمة البديلة التي مرَّت عليهم مرورًا سريعًا ذات فصل!

أَراهُنَّ وأتابع أخبارهنَّ وقد ارتقَيْن للمجد في كل مسيرات الحياة التي خاضوها، من الجامعة للعمل لتكوين الأسرة، وما زِلْنَ يعتنينَ جيدًا بالزرع الذي غرسَتْهُ معلماتهنَّ ومدارسهنَّ في صدورهنَّ وعقولهنَّ!

 

يا للرووعة.. بناتي كَبِرْنَ لدرجة أن بعضهن الآن زميلاتي في التدريس!! يا للسعادة الغامرة.. بناتي كَبُرْنَ لدرجة أن كثيرات منهنَّ الآن أمهات، بناتي كَبِرْنَ لكن ما زِلْنَ يخاطِبْنني بـ “مِس”، أيُّ سعادة تدرك الأم، وهي ترى أطفالها وقد شبُّوا وانطلقوا في مختلف المجالات مثابرين مبدعين، غير ناسين القِيَم التي حدَّثتهن عنها يومًا، شاكرين لها أثرها عليهم مهما كان قليلًا!

 

وهنا ذكرتُ نفسي يومَ كنتُ طالبة.. بمثل ذلك المريول، في مثل تلك المدارس، على مثل تلك المقاعد، ثم كبرت، ودخلتُ الجامعة وتخرَّجت، وزُرتُ بعض معلماتي في مدرستي الإعدادية، تذكَّرتُ تلك الفرحة ولمعة الفخر في عيونهنَّ بإحدى بناتهنَّ، ذكرتُ ذلك العَبق وذلك الانتشاء..!

 

ثم ذكرتُ الحَدَث الأجمل.. في إحدى المدارس أصبحتُ معلمةً زميلة لإحدى أفضل وأروع مدرِّساتي .. “مس غادة” !!

بمجرَّد أن رأيتُها تتحدث في الإذاعة المدرسية صباح أول يوم عملٍ لي هناك حتى عرفتُها، واستعدتُ الكثير من ذكرياتي معها حين كانت طالبة وكنتُ معلمتها..

طوال السنوات التي تَلَتْ ذلك اللقاء توطَّدتْ علاقتنا لدرجة أن أناديها بـ ماما، وكانت هي دائمًا، بعد الله، سندي ومستشارتي في الكثير من الشؤون التدريسية والتربوية، بل وفي شؤون حياتي الشخصية أيضًا..

 

في حياتي التدريسية القصيرة حتَّى الآن.. أصبحتُ زميلة لثلاث معلمات سبق ودرَّسوني.. كلُّ واحدة منهن زاملتُها في مدرسة مختلفة.. وكلُّهنَّ كنتُ أشعر بشعورهنَّ وهنَّ يرَيْنني كم كبرت.. وكيف صرتُ لهنَّ زميلة .. أكاد أسمع هتافهنَّ كمثلي حين أرى بناتي وقد صِرْنَ زميلاتي بالتدريس:

 العِيَال كِبْرِتْ يا اولااااد…



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات 2 تعليقان

Mohammad tawalbeh منذ 4 شهور

ما اروع الوفاء وما انبل اصحابه
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه. لا يذهب العرف بين الله والناس
ايها الزارعون للخير تفهيما وتعليما وسلوكا وتطبيقا لن يتركم الله من اعمالكم شيئا وايقنوا بقوله تعالى(ولسوف يعطيك ربك فتر ضى).

    إنعام عبد الفتاح
    إنعام عبد الفتاح منذ 4 شهور

    جزاك الله خيرا وأكرمك وبارك بك وبعلمك،،
    تعلّمنا الوفاء لأساتذتنا وشيوخنا ومعلماتنا من حضرتك دكتورنا الفاضل .. اكرمك الله وجزاك عن كل كلمة طيبة ترفع بها طلابك وطالباتك

أضف تعليقك