الفيزياء .. قدرى الجميل

31 يناير , 2019

الفيزياء.. ليست مجرد مادة نتعلم من خلالها كيفية حساب القواعد المتنوعة والنظريات العلمية التي وضعها العلماء بناءً على حساباتهم لتوقعات ما كان قد حدث أو ما سيكون، كما لن تكون أبدًا مجموع المعلومات التي يمكننا التعبير عنها بالأرقام والمعادلات. كنت وسأظل أراها منهج حياة يرشدني لفهم كل ما يدور حولي وتحديدًا علاقاتنا بعضنا ببعض بشرًا، وعلاقتنا بالأشياء من حولنا من أصغر جسيم ذري وحتى أكبر مجرة.

لم تكن الفيزياء بالنسبة لي إلا قدَرًا جميلًا، ولم يكن نيوتن وآينشتاين وماري كوري في نظري مجرد علماء أو باحثين، بل كانوا أصدقائي المقربين، ومَن أسعى كي أكون مثلهم.

بل كانت أيضًا سبب فخري واعتزازي بتاريخ أمتنا النبيل فأجدادنا هم الأوائل في تبنِّي العلوم ونقلها لمن خلفهم في حب العلم كــ ابن الهيثم والخوارزمي وابن سينا، ومن عباس بن فرناس تعلمت الطيران وأن التجرِبة خير برهان.

حاولت جاهدةً التعبير عن حبي لها وتقريب وجهات النظر بينها وبين الناس الذين كانوا لا يرونها على حقيقتها، ويتعاملون معها على أنها مجموعة من القوانين والنظريات المملة التي يجب أن يحفظوها، يُعبئون معلوماتها في أدمغتهم ليفرغوها في أوراق امتحاناتهم، ومِن ثَمَّ ينسَون أمرها.

ما زلتُ أذكر برنامجي المفضل الذي دفعني كي أحب الفيزياء والعلوم إلى هذا الحد، لا أعلم إن كُنتُم تذكرون لبيبة بطلة المسلسل الكرتوني (اسألوا لبيبة) مسلسل ياباني بدبلجة عربية يحكي قصة أخ وأخت يحبون التكنولوجيا لكنهم يُضيعون وقتهم في الجلوس أمام الحاسوب، وفِي كل يوم تحدث مشكلة ما؛ فتأتي لبيبة من قلب الحاسوب لتصحبهم معها في رحلة افتراضية لرؤية موقف يحاكي ما حدث مع أحد العلماء، وكيف تمكَّن هذا العالِم من اكتشاف أو اختراع هذا الحل العجيب.

حتى يومنا هذا كان وسيظل أفضل البرامج التي شاهدتها وأكثرها نفعًا.

كان وما يزال أحد أهدافي أن أرفع حجاب الظلم عنها وعن باقي العلوم التي يتعلمها الطلاب في المدارس والجامعات؛ لذا تقدمتُ للعمل معلمةً، وعملت في عدة مدارس مدة أربع سنوات استطعت خلالها إحداث فجوة بين طلابي وطالباتي وبين العلوم وتحديدًا الفيزياء.

علَّمتهم من خلال صناعة بعض الدُّمَى والألعاب المبنية على أسس علمية كيف تكون الفيزياء منهج حياة؛ فصنعنا صاروخًا ومنطادًا وعربة (نموذج دمية) تسير بالطاقة الشمسية، وتعلمنا معًا كيفية صناعة السخان الشمسي.

تعلَّمت منهم كما علَّمتهم أن الشغف لا تحدُّه حدود وأن طموحاتنا تلامس النجمات البعيدة في جوف الكون المتَّسع.

وما زادني فخرًا بما فعلت أن غالبية طلابي وطالباتي التحقوا بكليات الهندسة والعلوم والرياضيات؛ لأنهم آمنوا أن طريقنا لتحقيق أحلامنا يبدأ من اللحظة التي نفهم فيها علاقتنا مع الكون من حولنا، ونبدأ بالعمل وفق سننها عبر تجربة كل الاحتمالات الممكنة التي توصلنا للهدف.

توقفت عن العمل معلمةً للعلوم والفيزياء، ولكن لم أتوقف أبدًا عن استخدام الفيزياء في حياتي فكما ذكرت سابقًا هي منهج حياة بالنسبة لي.

كانت أولى الوظائف التي حصلت عليها بعد استقالتي من التعليم وظيفة كاتبة محتوى ومسوِّقة باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي لأحد المشاريع الريادية المحتضنة لدى إحدى مسرعات الأعمال الريادية في مدينة غزة. ما أزال أذكر يومي الأول لم يكن لدي خبرة سابقة في التعامل مع هذه الوسائل، ولكن كنت أجيد كتابة المحتوى باللغة العربية وأمتلك مهاراتٍ جيدة في التواصل مع الجمهور؛ أذكر تمامًا حرصي التام على فهم حاجة الجمهور وطبيعة الخطاب التي تجذبه لقراءة وتصفح الخدمات التي تقدمها الشركة، كانت الفيزياء حاضرة في كل تفاصيل عملي.

علمتني الفيزياء أنه إن كانت الفجوات كبيرة بين الخطاب الذي نوجهه من خلال حسابات التواصل الافتراضية وبين جمهور المتابعين فإن القوة التي تجعلهم يجربون تلك الخدمات تساوي صفرًا.

علمتني الفيزياء الكثير وليس لشيء فضل عليَّ كما الفيزياء التي جعلتني أدرك أهمية مراعاة التفاصيل الدقيقة وإعطاء الأشياء والمواقف قيمتها الحقيقية وأن لكل فعل رد فعل؛ فإن كان ما قدمت جميلًا لن أجد في المقابل إلا حب الناس وتقبلهم.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك