” الكشافة “.. مَعانٍ لم أدركها من قبل!

27 فبراير , 2019

لم أتوقع يومًا أن أكلَّف بقيادة فرقة كشفية لكوني معلمة تربية إسلامية، ولكن كان يتعين على نصاب المعلمين أن يكتمل، وبالتالي أُوكلت لي هذه المهمة، لم أتقبل الفكرة، وشعرت أنني لن أقدم فيها شيئًا يُذكر، فحين لا نشعر بالانتماء لأمر ما نتوقع حينها أن لا نجد ذاتنا فيه.

كان في نظري أن الكشافة مجرد حركات ووقفة معينة أمام العَلَم في الصباح مع طالبات يرتدين الزي الكشفي، ولطالما شعرت بالخجل وأنا أقف أمام العلم لجهلي ببعض الإرشادات المتبعة عند سارية العلم، أي أني لم أكن قادرةً على أن أوجِّه طالباتي، وبشكل صريح أنا من كنت بحاجة إلى توجيه.

واجهت صعوبة في الأيام الأولى؛ فأعباء الكشافة كثيرة أضافت ضغط عمل هو موجود بالفعل، فأن تكون معلمًا يحتاج منك إلى دوام متكامل لا يقتصر على ساعات العمل فقط، فأنت تحمل أوراقك معك للمنزل، تُحضِّر لدروسك، وتختار الوسائل التي ستستخدمها في اليوم التالي، ثم تخلد إلى فراشك وأنت تتخيل ماجَرَيات الحصص الصفية التي ستؤديها غدًا.

الكشافة وتحضيراتها كانت منغصًا لم أشعر أنه سيكون ذا فائدة أو نفع، خاصة أنني حاولت أن أربطه بهدف سامٍ كما أفعل في مهمة التربية والتعليم فلم أجد أو على الأقل في تلك المرحلة من بَدء العمل.

طالما أنشدت مع النشيد الوطني فدائي وربما اقشعر بدني عند تلك اللحظة التي يلتزم الجميع فيها الصمت عند السلام الوطني والوقوف بثبات احترامًا لعلم فلسطين، لكن هذه كانت أقصى حدود للفكرة، إلى أن تذكرت معلومات كنت قد قرأتها في كتاب ظننت في ذلك الوقت أنني لم أستفد منه شيئًا، كان اسم الكتاب ما بعد إسرائيل لكاتب يهودي يعيش في الغرب يتحدث عن أسس معتقدات الصهيونية وغيرها من الأمور.

في ذلك القسم المخصص للحديث عن التدريس في الكيان الصهيوني تطرق لمادة الدراسات الاجتماعية وتحدث عن أهمية ارتباط أطفال اليهود بالأرض الأرض التي لم تكن لهم يومًا تكلم عن تخصيص جزء من هذا المنهاج للنشاط الكشفي وخاصة الجانب العملي من هذا النشاط، رحلات التخييم والمسير داخل أراضي الوطن، زيارة القرى التي هُجِّر منها أهلها والتحدث للأطفال اليهود عن تاريخ مسروق مُلفَّق ينمي ارتباطهم بهذه الأرض وهذه الدولة الموعودة المنتظرة.

كان هذا التأسيس ضروريًّا للمستقبل العسكري الذي يسعى له الكِيان، خاصة مع حالات الهروب من التجنيد، والخوف على الحياة التي يعشقها هؤلاء بالفطرة، ونحن نعلم وصف القرآن لهم في قوله تعالى: وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ  وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ“.

تذكرت ما سبق في لمحة تفكر لم أعرف من أين أتت، وكأن تلك المعلومات كانت راسخةً في عقلي الباطن في مكان ما تنتظر أن تدق أبواب عقلي الواعي لأصبح من تلك اللحظة أكثر حماسًا لقيادة الفرقة الكشفية.

بدأت أمنح هذا العمل الذي لم أنتمِ له في البداية وقتًا أكبر، وجانبًا أعمق من التفكير الإبداعي، وأصبحت أترقب المناسبات كي أبتكر مع طالباتي طرقًا جديدة للتعبير عن الوطنية وحب هذه الأرض، والانتماء لهذا الوطن.

شعرت أننا أولى بزرع قيم الكشافة في أبنائنا منهم، كيف لا ونحن أصحاب الحق المشروع والارتباط الحقيقي، نحن الأصل والمنبت.

ومع كل الأنشطة الجميلة إلا أن هناك جزءًا من النص كان مفقودًا، نعم لقد قمنا بافتتاح خيمة للتراث الفلسطيني في يوم التراث، جمعنا قطع من هنا وهناك داخلها وألقينا بعض القصائد للوطن، وقدمنا بعض العروض الكشفية والصيحات في مناسبات مختلفة، شكلنا في يوم إعلان وثيقة الاستقلال خريطة فلسطين بأجساد الطالبات ورفعنا العلم في مكان العاصمة القدس داخل الخريطة.

إلا أن شيئًا أساسيًّا كان مفقودًا لم أكن لأدركه لولا دعوتي للمشاركة في دورة المستوى الثالث لإعداد قادة الفرق الكشفية، فيها أدركت الكثير مما كنت أحتاج أن أوصله لطالباتي، ماذا تعني الأصابع الثلاثة التي نرفعها للتحية كل يوم أمام العلم واجبي تجاه الله والوطن والذات والآخرين نرفعها كل يوم لنتذكر هذا الواجب العظيم، ذلك الأصبع الكبير الذي يوضع فوق الصغير يمثل قاعدة أن الكبير يعتني بالصغير والصغير يحترم الكبير.

الوقفة بثبات والمِشية العسكرية التي تمثل الانضباط، وعد الكشافة الذي ينص على: أعد بشرفي أن أبذل جهدي في أن أقوم بواجبي نحو الله ثم الوطن، وأن أساعد الناس في كل وقت، وأن أعمل بقانون الكشافة.

تاريخ الكشافة في فلسطين ودوره في محاولات صد العدوان عن بلادنا، وطرق التخييم وأهدافه المتمثلة بالتجذر في هذه الأرض بأصعب الظروف والأحوال، كل ذلك وغيره الكثير جعلني أعود لطالباتي لأجتمع معهن أول اجتماع حقيقي نردد وعد الكشاف، وأضعهن أمام مسؤوليتهن الحقيقية.

فــ الكشاف رفيع الأخلاق، يتحلى بالمبادرة والمساعدة لأبناء شعبه، هو جندي عظيم رغم صغر سنه، الموضوع أكبر من استعراض أو نشاط لا صفي يسعد الطلبة بأدائه، سُعدت بنظرة الطالبات في ذلك الوقت، وشعرت بحماستهن غير المسبوقة، بدأت بإعطاء تعليمات جديدة للوقفة عند سارية العلم، وكيف يتصرف حارس العلم وماذا يقول وكيف يتحرك، وعن قائد الفرقة وتعليمات جديدة لضبط المدرسة كاملةً قبل البدء بمراسم رفع العلم والنشيد الوطني، أصبحت كلمة فدائي أكثر جمالًا ونشيد موطني في نهاية الطابور الصباحي ذات معنى أكبر من قبل.

كل طالبات الكشافة يقفن أمام العلم مع رفع تحية العلم، مشهد أثار إعجاب الجميع ونال ثناءهم، بيدَ أن ما أعجبني حقًّا هو الشعور الداخلي الذي زُرع في تلك الفتيات الصغيرات بقلوبهن الكبيرة، وذلك الشعور الجديد في قلب معلمة التربية الإسلامية التي ربطت بين واجبها الديني والوطني معًا.

فدائي فدائي فدائي يا أرضي يا أرض الجدود على يد أبطال صغار حملوا حب وطن عظيم في قلوبهم ستعود أرض الجدود يومًا، ستعود ويبقى شعب الخلود.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات تعليق واحد

Avatar
عماد موسى بحيص منذ سنتين

شيء رائع وجميل يا الله كم كنت بحاجه الى هذا الكلام لتطيب نفسي بعد كل هذا الحزن.

أضف تعليقك