توظيف “المنّصات” في تعليم الرياضيات

29 ديسمبر , 2018

لا أحد فينا ينسى طفولته؛ ولله الحمد نعمت بطفولة مفعمة بالتحدي والإصرار والعزيمة والاعتماد على الذات، كنت تلميذًا متميزًا، حريصًا على الالتزام بتعليمات إدارة المدرسة والمعلمين الذين كان بعضٌ منهم أب وأخ ناصح لي.

فمن المعلمين الذين لا أنفك عن ذكرهم ما حييت؛ معلم أردني الجنسية درَّسني مادة الرياضيات في الصف الحادي عشر والثاني عشر؛ وقد زرع فينا الطموح وروح التحدي حتى حبَّبنا في مادته، فقد حرص بشكل يفوق الوصف على جعلنا نهضم المسائل الرياضية؛ إلى درجة أنه كان يستقطع جزءًا من وقته لإعطاء دروس التقوية في مادة الرياضيات في الفترة المسائية بالمدرسة، مضحيًا بوقته الخاص في سبيل تميز وتفوق طلابه، حقًا كان قدوة للتفاني والتضحية وإنكار الذات؛ فجزاه ربي خير الجزاء في الدنيا والآخرة.

انخرطتُ في هذه المهنة منذ ثمانية عشرة عامًا؛ وأدركتُ أن المعلم المتميز عطاءه لا ينضب، يتعطش للبحث عن ما هو جديد، يطور ذاته، وينمو مهنيًا باستمرار، وما زلت ممتنًا لنصيحة أسداها لي أحد المشرفين في أول زيارة له منذ تعييني معلمًا، أخبرني يومها:

الطلاب هم أبناؤك؛ كن قدوة لهم في جميع أفعالك وأقوالك ومثالًا للتميز والإبداع.

حسنًا اسمحوا لي أن أعرِّف نفسي؛ التحقت بسلك التدريس في 2 سبتمبر عام 2000، ، وأترأس قسم تقنيات التعليم بالمديرية العامة للتربية والتعليم بمحافظة شمال الشرقية بسلطنة عمان؛ وتم اختياري سفيرًا لجائزة فاركي فونديشن في سلطنة عمان، ويندرج اسمي ضمن قائمة أفضل 50 معلمًا في العالم لعام 2017.

كما فزت بجائزة خليفة التربوية فئة المعلم المبدع في مجال التعليم على مستوى الوطن العربي لعام 2017، وحصلتُ على جائزة فيصل بن قاسم للبحث التربوي المركز الثاني على مستوى دول الخليج فئة المعلمين لعام 2016.

حاليًا أنا طالب دكتوراه في علم الاجتماع، وباحث تربوي في مجال المناهج وطرق التدريس ودمج التقنية بالتعليم، والإدارة التعليمية، علاوة على أني مدرب برنامج إنتل للتعليم، وعضو في الجمعية الخليجية للتربية المقارنة، وعضو في الجمعية العمانية لتقنيات التعليم، ومشارك نشط في تقديم أوراق بحثية في العديد من المؤتمرات المحلية والإقليمية والدولية، ونُشرت لي عدد من البحوث، ونجحت بفضل الله في تطبيق العديد من المشاريع التربوية والتقنية.

شغفي بمهنة التعليم قديم جدًا؛ منذ كنت تلميذًا لطالما رأيتها مهنة خلَّاقة تتيح فرصًا عظيمة لصقل الأفكار؛ ولا أخفي عنكم أن‏ حماسي الكبير لهذه الصعوبات ساعدني على تخطي الصعوبات التي واجهتها في بداياتي؛ فقد تطلعت دائمًا إلى صناعة جيل متعلم واع مفكر مبدع، قادرٍ على مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين؛ فمنذ دخولي سلك التدريس أجريت عددًا لا بأس به من الدراسات والبحوث والمشاريع التقنية بهدف رفع مستوى التحصيل الدراسي وتغيير اتجاه الطلاب نحو مادة الرياضيات ومن بينها مشروع استخدام شبكات التواصل الاجتماعي في تعليم مادة الرياضيات بالصف الثاني عشر.

وكذلك المنصة التعليمية أكادوكس التي تبحث في الأسباب التي تؤدي إلى ضعف التحصيل الدراسي في مادة الرياضيات التطبيقية لدى طلبة الصفين الحادي عشر والثاني عشر من وجهة نظر المعلمين بمحافظة شمال الشرقية.

ويدور نهجي الفلسفي لتضمين المواطنة العالمية في الفصل الدراسي حول التركيز على عدد من المبادئ أو الأبعاد، وهي:

أولًا: التربية من أجل معرفة الحقوق والواجبات.

ثانيًا: التربية من أجل فهم الهوية الوطنية.

ثالثًا: التربية من أجل تعزيز الانتماء.

رابعًا: التربية من أجل تعزيز المشاركة.

خامسًا: الإيمان بالقيم والقدوة.

سادسًا: الحوار والتواصل.

وكأنموذج لتطبيق المواطنة في البيئة المدرسية شاركتُ مع طلابي في مسابقة تخيلونا للعام 2012 وقامت فكرة المشروع على تصميم وبرمجة ألعاب تعليمية من خلال إعادة تدوير المخلفات بهدف الحفاظ على البيئة؛ وقد صممنا

12 لعبة تعليمية في بيئات مختلفة حسب البيئات العمانية، وبرز تفاعل الطلاب أثناء التصميم والتجريب، وأحرز هذا المشروع المركز الأول على مستوى سلطنة عمان في هذه المسابقة.

أما مشروع نظام أكادوكس في تعليم الرياضيات فهو يعمل على تحقيق الشراكة بين مكونات المجتمع؛ فبعد موافقة ولي الأمر يتم تسجيل ابنه في المنصة التعليمية؛ وتقدم له كافة أشكال الدعم؛ حيث نعمل على تشكيل مجتمع مدرسي مغلق لجميع الطلاب الذين يرغبون في الانضمام للمنصة التعليمية، مزود بجميع وسائل الدعم للطالب من اختبارات إلكترونية مع نماذج الإجابة للأعوام 2006-2016م.

ناهيك عن عقد أنشطة صفية ولا صفية، ومجموعة كبيرة من الأسئلة الموضوعية والمقالية، حسب تسلسل الدروس في كتاب الرياضيات التطبيقية للفصل الدراسي الأول والفصل الدراسي الثاني، علمًا بأن المنصة مزودة بمجموعة من شروحات الفيديو للدروس حسب وحدات الكتاب من إنتاجي الشخصي لأغطي الوحدات الدراسية، مع توفير قناة تعليمية في اليوتيوب، ويتوفر تطبيق ذكي للهواتف المحمولة والأجهزة اللوحية يحتاج إلى كمية بيانات بسيطة من الإنترنت، وما يميز هذه المنصة أنها تلقى الدعم من قِبلي شخصيًّا ومن مدير المدرسة، ناهيك عن المشرفين التربويين لمادة الرياضيات والمعلم الأول للمادة، ومعلمين مساعدين يتكفلون بمتابعة المهام على النحو المطلوب.

ويتضمن الموقع خانة للطلاب المتميزين والمجيدين يتم تكريمهم أسبوعيًّا طوال العام الدراسي؛ وفي نهاية العام الدراسي يُكرَّم الطلاب المجيدين بأجهزة لوحية عدد 3، وبقية الطلاب المجيدين بدروع مقدمة من القطاع الخاص، وتبلغ قيمة الدعم المقدم للمنصة من المدرسة والقطاع الخاص ومن المعلم شخصيا ما يقارب 800 ريال عماني طوال العام الدراسي.

وأسعى خلال العام القادم إلى رفع قيمة الجوائز المقدمة من خلال البحث عن داعمين جدد للمشروع؛ وقد لاقى إشادة من قِبل أولياء الأمور وشركة ACADOX الذي يُرعى رسميًا من وزارة التربية والتعليم، والقائمين على قسم تكنولوجيا التعليم بجامعة السلطان قابوس، ومجموعة من الباحثين بجامعة قطر، وجامعة الكويت؛ وكذلك القائمين على منتدى التعليم العالمي بدبي حيث اختير من أفضل المشاريع من إجمالي 7500 مشروع للعرض بمنتدى التعليم العالمي في دبي عام 2015م.

ويُمثل توظيف التقنية في التعليم وانعكاسه على نتائج الطلاب نجاحًا حقيقيًّا في بث الوعي التقني لدى الطلاب بأهمية التقنية في الحياة واستغلالها بالشكل الأمثل بما يخدم العملية التعليمية.

ولم أغفُل عن نشر ثقافة التعليم الإلكتروني من خلال تقديمي لمجموعة من ورش العمل؛ مستهدِفًا الطلاب والمعلمين والمشرفين وأولياء الأمور للفت أنظارهم لأهمية التوظيف السليم للتقنية، وكوني مدرب لبرنامج إنتل للتعليم وعضو في الجمعية العمانية لتقنيات التعليم منذ عام 2010م، فمنطلقي الحقيقي هو كيف أستطيع تحقيق أقصى فعالية من استخدام التكنولوجيا في التعليم؟، حيث نفذت ما يقارب من 12 دورة تدريبية لبرنامج أنتل للتعليم استهدفنا فيه ما يقارب 250 متدرب ومتدربة، كما قدمتُ العديد من  أوراق العمل التي تتناول التعليم الإلكتروني والتعليم المتنقل إلى عدد من المؤتمرات المحلية والإقليمية والدولية.

ولا أدخر جهدًا منذ تولي منصبي الجديد مع فريق العمل المتميز بقسم تقنيات التعليم بمديرية شمال الشرقية في دعم المبادرات التقنية المختلفة، علميا وعمليا، وتشجيع المعلمين على تضمين الطريقة العلمية للحكم على فاعلية توظيف تطبيقات الأجهزة المحمولة في العملية التعليمية، وفق منهجية علمية محكمة، ومن ثم تقديم هذه المبادرات المتميزة في ملتقى تقنيات التعليم الذي عقد في 20 مارس 2018، تخلله عرض لمبادرات رائدة ومتميزة، وحرصنا على تكريم وتعزيز هؤلاء المعلمين المبدعين بما يليق بأدائهم.

وفي عام التطبيق 2015-2016 استطعنا ولله الحمد تجاوز عقدة التسعين في المادة؛ إذ حصل أحد الطلاب على نسبة 97% في مادة الرياضيات التطبيقية للصف الثاني عشر، وكذلك أشارت نتائج التقويم المستمر إلى وجود فروق دالة إحصائيا بين نتائج الطلاب في الفصلين الأول والثاني، تُعزى إلى الطريقة المستخدمة لرفع التحصيل، فلله الحمد والمنة والشكر، وما زال العطاء مستمرًا في توظيف المنصات في تعليم الرياضيات.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات تعليق واحد

سعود بن سعيد الحنيني منذ 3 أشهر

أنت مثال لكل معلم طموح مخلص في عمله

أضف تعليقك