حصتي هي حصة طلابي المفضلة

10 يناير , 2017

كأول سنة تدريس لي في مدرستي كان من الواجب على المديرة إملاء التعليمات عليّ فيما يمكنني فعله وما الواجب عليّ عمله في كل حصة، لامتلاكها فكرة في رأسها بأنّ كل آنسة جديدة تكون غير مالكة للخبرة الجيدة وهي بحاجة لأوامر وتعليمات مستمرة لتستطيع مواجهة الطلاب وإعطائهم بطريقة صحيحة وجيدة ومثمرة (في رأيهم طبعاً) متجاوزة في ذلك أن بعض المعلمات وبعض الأساتذة يمتلكون من المعلومات الهائلة ما يجمعه أكثر من معلم سويًا، وهو فقط في حاجة لفرصة لإخراج هذه المعلومات إلى حيز التطبيق والواقع، وقياس نسبة نجاحها على الطلاب ودرجة تقبلهم لها وسلبيات تطبيق هذه النتائج وإيجابياتها.

وبحكم أننا في مدرسة خاصة كان لزامًا علينا ومن المفترض قبول النصائح والأوامر والتعليمات بصدر رحب، وتنفيذها بسلاسة وروح رياضية، غير أنّ الذي حدث في هذه المرة كان مختلفًا تمامًا وحدث ما لم يكن بالحسبان وما لم يكن معهودًا في مدرستي المحترمة، والتي أكنّ لها في داخلي كلّ الحب والاحترام لإتاحة الفرصة لي لإخراج كل ما في جعبتي من معلومات وخبرات إلى حيّز التطبيق، وإلى تنفيذ هذا التطبيق بكل حب وشغف وهمّة عالية، فالنجاح يكمن في الهمة التي تحيي الأمة.
هذه المرّة كان من ضمن برنامجي حصة تعبير، وهي أول حصّة سأقوم بإعطائها لطلابي، فقامت المديرة باستدعائي لإملاء تعليماتها عليّ بكل رقي واحترام، فقمت بالاستماع إليها وتقّبل رأيها والذي كان يدور حول الطرق التقليديّة التي يتمّ فيها إعطاء هذه المادة وهذا الدرس، والتي ملّها الطالب وأصبحت عند البعض من الحصص الثقيلة التي تحتاج إعمال الفكر والعقل والذهن لإخراج معلومات وترتيبها وتنظيمها للخروج بموضوع جميل مفيد معبّر، وفيه من البلاغة ما يستحق الإعجاب من قبل المعلمة، فكان ذلك من المهمات الصعبة لدى بعض الطالبات، فكنت أعلم ذلك كلّه ولذلك قمت بابتكار طريقة جديدة وكنت قد فكرت بها مليّاً لإعطاء هذه المادة بحيث تصبح أكثر حيوية وأكثر تقبلاً من الطلاب وأستطيع جعل طلابي يستمتعون بها ويحبونها ويتفاعلون معي حتى اللحظة الأخيرة من الحصة.
كان كل ذلك مرسومًا في ذهني فقط ويحتاج نقله إلى واقع الحصة، فاستمعت لتعليمات ونصائح مديرتي بحب واحترام ثم استأذنتها بكلمة وفكرة مني لعلّها تكون ناجعة ومثمرة في قلب مفاهيم الطلاب حول هذه المادة.
فما كان من مديرتي إلا أنها استمعت إليّ وأصغت باهتمام وأبدت إعجابها بفكرتي الجديدة، ولكن بتردد وخوف من نتائجها، فقلت لها لماذا لا ننتقل للجزء العملي التطبيقي ونترك الخوف والأوهام والتردّد جانبًا لنقطع الشك باليقين، وهكذا وافقتني الرأي وانصرفتُ لحصتي مسرورة سعيدة بهذا القرار الجديد وبالعزم والحماس الذي أحاط بي.
قمت بتحية طلابي أولًا ثم أخبرتهم بأن يخرجوا كل فكرة قديمة تدور حول مادة التعبير وصعوبتها وعوائقها وأن يستمعوا إليّ باهتمام لنستطيع الخروج من هذه الحصة بكل فائدة تعود عليّ وعليهم وعلينا جميعًا، ووعدتهم أنّ حصة التعبير ستصبح حصتهم المفضلة وحصتهم المثيرة التي سينتظرونها كما ينتظرون حصة الرياضة باهتمام، فلن تعود مجرد حصة إملاء مني وتلقي منهم، وإنما سنخرج من هذا التقليد إلى تفاعل وتعاون بيننا.
فأنا سأقوم بعرض فيلم كرتوني قصير مدته عشرة دقائق فيه الفائدة والمتعة وقيمة معينة ينبغي كل من في عمرهم تعلّمها، وطلبت منهم مشاهدة هذا المقطع باهتمام وتركيز شديدين لأنّي سأقوم بطرح بعض الأسئلة التي تدور حوله من الشخصيات إلى المعلومات إلى التصرفات والسلوك، وإلى الأخلاق الخاصة بشخصيات هذا الفيلم أيضًا.
فوافقوني الرأي ورأيت الإعجاب والاهتمام يطلّ من عيونهم، وبريق الابتسامة يكاد لا يوصف، كما انعكس ذلك عليّ أيضًا لقدرتي على التأثير فيهم وجذب انتباههم وتركيزهم، وهكذا انقطعت الفوضى والثرثرة ورأيت إصغائهم بتركيز، وتحضير أنفسهم لأسئلتي وتجنّب إحراجهم.
فقمت بتشغيل المقطع وعمّ الصمت في الصف كلّه عدا صوت المقطع، وكان مشهدًا لا يوصف بالنسبة لي، فقد عرضت عليهم فيلم حول شخصيتين متناقضتين إحداهما شخصية شريرة غير ملتزمة بالأمانة والأخرى شخصية أمينة صادقة والتي تنتصر على الشخصية الشريرة في النهاية بعد أن يدور صراع مثير وشديد بينهما، فكان الطلاب كلهم مشدودين بإصغاء تام وملفت للانتباه لهذا الفيلم وأبدوا إعجابهم به حتى نهايته، ثم بدأوا يطلبون طرح الأسئلة عليهم على الفور لأنهم قد حفظوا كل ما فيه بدقة تامة.
فبدأت أطرح أسئلتي الواحد تلو الآخر، وهالني منظرهم كيف أنهم جميعًا يرفعون أيديهم للإجابة وكانت إجاباتهم كلها صحيحة بالفعل.
ثم بعد هذه الأسئلة التي دارت بين المزاح والجد والفرح والمرح والمشاغبة قليلًا وبعض الضحك أخبرتهم بأن الجدّ قد بدأ الآن، فأتمنى من الجميع التركيز، فساد الصمت وتوجهت الأسماع والأنظار كلها إليّ.
ثم طلبت من كل واحد منهم إخراج ورقة وقلم وتدوين كلّ الذي شاهدوه وما دار في هذا المقطع من وجهة نظرهم وفي تعبيرهم الخاص الذي يعبر عن شخصيتهم، وطلبت منهم في النهاية كتابة رأيهم عن هاتين الشخصيتين فأحب أن أرى طريقة تفكيرهم ورؤيتهم لهذه القيمة مما شجعهم على الكتابة بشغف وحب واهتمام، وبدأوا جميعهم بالكتابة، وصراحة فوجئت أنا والمديرة بهذه النتيجة وبالتعبير الجميل الذي عبروا عنه وطريقة عرض أفكارهم وترتيبها.
وبذلك أخذت حصة التعبير تأخذ منحىً مختلفًا تمامًا وجديدًا، فكان الطلاب في كل أسبوع في حالة تشوق وشغف ليستخرجوا القيمة الكامنة من المقطع الجديد ويتسابقوا في طريقة التعبير عنه، وكان التنافس عاملًا مشتركًا وواضحًا بين جميع الطلاب.
وبذلك أتوجه إلى جميع مدرسات اللغة العربية للخروج عن التقليد الذي سئمنا منه نحن وطلابنا والتوجه نحو الابتكار لبناء جيل جديد فعال يستطيع إحياء أمتنا.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك