حين اجتمعت إجابة المعلم والطلبة على ” المحبة والمقدرة”

15 سبتمبر , 2018

مررت بالعديد من التقلبات على المستوى الدراسي في طفولتي؛ ومع ذلك كان دائمًا يقودني حس عميق بالمسؤولية والرغبة في تحقيق الذات وإحداث أثر في هذا العالم؛ هذه الصفات جعلتني أتميز في أغلب سنوات الدراسة، لكنها في الوقت نفسه صنعت مني تلميذا متمردا وخارجا عن نسق الرتابة في سنوات الثانوية العامة؛ فاتجهت إلى العمل والدراسة المنزلية في آن واحد؛ ومن ثم قدمت التوجيهي على مراحل.

ولعلني كلما تذكرت نفسي كيف كنت؛ شعرت أنه يتعين علي طمأنة أولياء الأمور الذين يساورهم القلق إزاء بعض الاضطرابات في مسيرة أطفالهم؛ فهذا على الأرجح دليل على وجود حالة مميزة بحاجة إلى الرعاية والدعم، وليس العكس.

تعلمت على يد العديد من المدرسين المتميزين؛ وكان أكثرهم تأثيرا في شخصيتي هم من كانوا يحملون همًّا يظهر بوضوح في طريقة تدريسهم وتعاملهم مع الطلبة؛ فكانوا لي قدوة علمية واجتماعية وقيادية ورياضية لا يكفون عن الابتسام والعطاء غير المحدود والمحبة غير المشروطة.

لكوني مدرسًا لمادة الكيمياء منذ عشر سنوات؛ أردت منذ اللحظة الأولى أن يكون لي طرازي الخاص في التعليم؛ لذا قررت أن يكون الحب رابطي الأقوى مع طلبتي؛ الحب هو ما يجعلني أستمتع بالعملية التدريسية لأبعد حد؛ ويحقق الفائدة القصوى لطلبتي؛ إنها قاعدة جميلة نحن نتعلم بشكل أفضل عندما نحب من نتعلم منه؛ إنها حقًا من أجمل تجارب الحياة التي تيقنت فيها أن الجهد المبذول في التعليم لن يضيع سدى؛ حين يترك الأثر لنفسه ولمن حوله؛ وبذلك يحقق ذاته كما يفعل أصحاب المهن الأخرى وربما بشكل أفضل.

على كل من يرغب في التميز أن يكون معلم القرن الــ  21 بحق؛ فيبدي استعداده لتعلم كل ما هو جديد ملاحقًا كل ما قد يطور من أدائه. 

في عمر باكر انطلقت نحو الانخراط في العمل التطوعي والتدريب وصناعة الأفلام التي هي في اعتقادي طرقًا مهمة للتأثير؛ ولكن وجدت أن التعليم وسيلة حقيقية لممارسة هذا الدور وصناعة جيل مميز؛ وقد أدركت كم المتاعب الموجودة خلف هذه المهنة؛ إلا أني تأملت في حالي؛ وتبين لي أني أملك ما يكفي من القيم والأدوات والمهارات الحياتية لأداء أدوار التدريس المختلفة؛ وقد هالني حجم الفساد والتدهور في المؤسسة التعليمية ناهيك عن الركود والوهن في المعلمين؛ وحينها تجاوزت الصدمة وبذلت جهدي من أجل ألا أتحول لمدرس عادي؛ وكم استهواني خوض التحدي بتدريس الطلبة الكبار ما بين الصف السابع حتى التوجيهي.

انتهجت أسلوبًا تدريسيًّا مميزًا يقوم على تحفيز الطلبة وتمكينهم ومنحهم  دورًا كبيرًا في العملية التعليمية واستخدمت لتحقيق ذلك العديد من الاستراتيجيات والطرق الفعالة مثل التعليم باللعب؛ والتعليم بالغناء؛ و التعليم خارج الصندوق؛ والتعليم عن طريق الروبوت والوسائل التعليمية؛ وخلية النحل وجمعتها أخيرًا في أسلوب تعليمي مميز أسمه STEAM.

حين يسألني أحدهم عن سبب اختياري ضمن المعلمين المميزين؛ يكون جوابي لأن الحب من أقوى القوى على الإطلاق.

ولأن من يملك العطاء غير المحدود والمحبة غير المشروطة يحوز قلوب البشر وعقولهم؛ ولأن إصراري لم يفتر بالرغم من كل الصعوبات التي مررت بها والتي كانت كفيلة بتدمير كل طموح؛ لدي طاقة إيجابية أنثر منها أينما حللت؛ ربما السر الصغير أني أؤمن بقدرات طلابي حتى لو لم تظهر جلية؛

إذ أطور نفسي وفق خطة متغيرة أتابع ضمنها كل ما هو جديد في العملية التعليمية لأجد مكانًا لنفسي وطلبتي في إطار المستجدات.

أذكر عندما زارتني لجنة جائزة الملكة رانيا للمعلم المتميز في أثناء مراحل التقدم للجائزة سألوني عن أكبر قيمة زرعتها في طلابي؛ فقلت لهم: (الحب والقدرة)؛ وعندما التقوا بطلبتي وجهوا لهم السؤال نفسه؛ ليأتي الجواب متطابقًا وبشكل تلقائي المحبة والقدرة؛ وحينها ترقرقت في عيني دمعة.

كل ذلك وأكثر منحني دافعًا لأن أمضي قدمًا في حقل تقنيات التعليم الحديث والتدريب حيث يتشاركان في العديد من القواسم المشتركة؛ ساعيًا إلى إيجاد شراكات متنوعة لتحقيق القفزات النوعية في نوع التعليم الذي أقدمه ومستوى التجربة التعليمية التي يحصل عليها طلبتي.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك