خواطر معلمة من ليبيا(مجرد أحلام)

3 أكتوبر , 2015

image

الكتابة عن التعليم في ليبيا لا تدمي القلب فحسب ، بل و تسبب له احتقان.

ولكن وبما أنني مرغمة على استنزاف الجرح ذاته أكثر من مرة كأفضل وسيلة تنفيس، فلا مناص من فتحه اليوم للحديث عن ما يلتصق في سقف حلقي منذ مدة .
إن الحديث عن النهضة بالتعليم بضخ الأموال في ميزانية وزارة التربية و التعليم والإغداق عليها لتطوير المناهج من جهة، ورفع مستوى المدارس من جهة، ورفع رواتب المعلمين والقائمين عليه من جهة أخرى، مما لم أعتد عليه في وطني واعتبره من المحظور علي التطرق له، لأني كوالدتي أعتدت على أن لا أمد عنقي للنظر إلى ما هو على بعد لا يمكنني منه رؤية الأشياء بالعين المجردة .. ولأن تنفيذ خطط مدروسة بما يتوافق مع الواقع والحرص على تطبيقها ورفع كفاءة المعلم كإنسان يمكن تطويره بأقل ثمن أو ضمن الإمكانيات المتاحة عندي أسباب كفيلة لأن تجعلني أحلم بتعليم أفضل طالما أني قادرة على الحلم، وأن من الأحلام الذي يكتمل ومنها الذي يموت بفوات الأوان.
في ليبيا أحلام ابنائها ليست من تلك التي تكتمل ولا تموت بفوات الأوان وإنما على الراجح أنها مما تبقى معلقة على أمل أن يكون لها بقية لكن في زمن ومكان آخر غير الوطن.
ما اضطرني إلى قول ذلك، أن مجموعة من الطالبات أتينني يرجونني ألا أغشش أحدًا ولا أضيف درجة واحدة لأي طالبة لا تستحقها، كان ذلك حين كنت أدرس مادة اللغة العربية للمرحلة الثانوية، حينها كان سهل علي الجزم أن هذا المستحيل بعينه، وأن وعدًا كهذا يمكن لي أن أقطعه على نفسي وكلي ثقة بها أنها قادرة على الوفاء به، لكني ذهلت حين اسرت لي إحداهن أنه وإن فعلت فهناك من سيتولى المهمة، ويغير في درجات الطالبات لتحصل من لا تستحق على درجة أعلى ممن تستحق، بعلم من يظهر أو يخفي أنه يعلم وتحت إشرافه وبشهادة أولياء الأمور، وكنت مضطرة حينها لاخفاء شعوري بالحزن والأسى الشديدين، فحاولت جزافًا أن أجعل الأمر هين في حين هو ليس بهين، فكان نسج حلمًا لهن يداعب مخيلاتهن حتى حين، أفضل وسيلة كمحفز لهن على المذاكرة والاهتمام بالواجبات، رغم أنه لا يسعني الجزم لهن أنه مما سيكتمل أو يموت بفوات الأوان أو إنه من تلك التي أدعيت أن لها بقية ، فقلت لهن يومها أعلم أنكن تشعرن بالظلم والأسوأ من الشعور بالظلم – مع يقيننا أن التحصيل العلمي ليس مقياسًا للذكاء وأن من ينجح اليوم في الغش مصيره الفشل بقية حياته – وأعلم أنه مما تعم به البلوى حتى أصبح من المباحات شرعًا (الغش أقصد)، لكن ما يترتب عليه من مساويء أنكى من هذا بكثير، إذ ماذا بقي للطبة من محفزات تدفعهم للمذاكرة والاجتهاد والاهتمام بدروسهم إذا كان الكل ضامن للنجاح؟!

كما أسلفت كنت مضطرة أن أنسج لحبيباتي، اللواتي لن أنسى نظراتهن البريئة وهي تتشبث ببصيص أمل معلق على حلم فحواه أنكن ربما تضطررن للسفر خارج ليبيا إلى دول مستوى التعليم فيها أفضل، وهناك قد لا تجارين الطلبة ممن اعتادوا على تحصيل الشهادات بالجد والاجتهاد .. أو إنه قد يتغير حال هذا البلد وتصبحن معلمات ومسؤولات عن تطوير التعليم وتحسين مستواه !! فهل سينفعكن الغش حينها؟ وفعلت ككل الحالمين في أوطاننا وبينت لهن أنهن بنات المستقبل ومن نعلق عليهن طموحاتنا وآمالنا تمامًا كما رسخ لدينا من سبقونا حيث لا زلنا نحتفظ بأمنياتهم التي عقدوها علينا كأحجية عصية على الفهم أو التفسير أو التحقق أحيانًا!!
كانت قد، وممكن، واحتمال، وربما .. ألفاظ يعلق عليها الممكن والمستحيل في آن، مما اضطررت لوضع كل منها في مقدمة كل حلم لا أجد له تصنيف، إلا أن الشيء الوحيد الذي أجزم أني حققته في لحظة كنت فيها على وشك نفض يدي وإخلاء مسؤوليتي، هي رسم تلك الابتسامة التي امتزجت بالدموع على وجوههن والتي ما زالت ملتصقة في ذاكرتي.

ملاحظة: الغش والتلاعب في درجات الطلبة في ليبيا بدون أي مبالغة مني، أول أسباب تردي التعليم وتراجعه لأدنى مستوى.

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك