سلسلة مذكراتُ معلمةٍ وتأملاتها – الإدارات المدرسية

15 مايو , 2018

بماذا يمكن أن أصف إدارة المدرسة الحكومية التي عملتُ فيها ذات مرة، وكانت تسمح لطالباتها في الصفوف من سابع إلى التوجيهي بإحضار هواتفهنَّ الخلوية، واستخدامها علانيةً بشكل عادي جدًّا في الحصص وفي وقت الاستراحة! وبمخالفة الانضباط المعتاد في الزيِّ والهيئة العامة لطالبة المدرسة، كإطالة أظافرها، وتقصير مريولها، والإكثار من الإكسسوارات، وكذلك وضع المسكارا والكحلة وبعض الماكياج! ولا اهتمام بمتابعة انضباط دخولهن أو غيابهن أو حتى هروبهن!

ممَّا لا شكَّ فيه أن أقلَّ وصفٍ لهذه الإدارة هو “الإدارة المتسيِّبة”!

 

وبماذا يُمكن وصف إدارة مدرسية ثانيةٍ قابلتُها في إحدى المدارس كانت دومًا توظِّف في كل صفٍّ طالباتٍ برتبة “جواسيس مراقبة” على معلماتهنَّ!

والأدهى أن تقوم معلماتها بنفس عيون الطالبات وآرائهنَّ في معلماتهنَّ! مُتَناسيةً أن تقويم الطالبة ورأيها في معلمتها ليس تقويمًا متخصصًا ولا صادقًا ولا صالحًا في كل الأحيان، وأنه لا يصحُّ لها بصفتها إدارةً أن تتنازل عن وظيفتها وأعمالها وعلمها وعقلها ومعاييرها التربوية الحقيقية لصالح طالبات!

لا أدري لماذا كلما قابلتُ مثل هذه الإدارات تذكرتُ سياسية أمريكا مع العرب!!

 

حسنًا، ماذا إذًا عن تلك الإدارة المدرسية التي قابلتُ منها أكثر من نموذج في أكثر من مدرسة؟!! والتي تقسِّم المعلمات إلى أصنافٍ وطبقات.. فتصطفي بعضهنَّ على بعض!

فأما الطبقة الْمُصطفاة الْمُقرَّبة فـ يُوسَّعُ لها في صدر كل مجلس في غرفة الإدارة، ولها كلُّ الامتيازات، ويُتَجاوزُ لها عن كل العثرات، بل تُحمَل عنها كل التَّبِعَات.. وإنْ تَقُل يُسمع لِقَوْلِها، وإنْ تحكم على زميلةٍ لها يُؤخذ بحكمها وتقويمها، وإن تطلب تُعطَ، وإنْ تغضب تُرضَّى، ويُكال لها كلُّ المديح والتمجيد ولها كل التصفيقات الحارَّة!

 

وأما الطبقة الأُخرى فكان الله في عونها! إنْ ترضَ عنها الطبقة المُصطفاة رَضِيَتْ عنها الإدارة وسَيَّرتْ أمورها بيسر، وإلا فالويل لها!

ألا تُذكِّر هذي الإدارات بسياسة بعض الحُكَّام العرب مع شعوبهم؟!!

 

وفي مدارس أُخرى تكون المعلمة البديلة – خاصة الطيبة منهم – فرصة ذهبية لإداراتها كإراحة بعض المعلمات الأصليات من ذوات الطبقة الْمُقرَّبة من الكثير من مَهَمَّاتهنَّ، كالأشغال والمناوبة و… مردِّدينَ على مسامعها:

“أنتِ ما زلتِ صغيرة وتتحمَّلين” و “لا زلتِ بأول عمرك الوظيفي ويلزمكِ أن تُثبتي نفسك” و “لَمَّا كنتُ مثلكِ مبتدِئَة كنت أحمل شغل المدرسة كلها على أكتافي ولا أشتكي”!!

 

فمن يُفهم مثل هذه الإدارات أن المشكلة ليستْ في كَمية الشغل نفسه إنما في استغلالكم القبيح والقميء لهذا الموظف وأنه جديد، وأنه بديل، وأنه متحمِّس؛ لترموا عليه ما يُفترض أنه من مهمَّاتكم أنتم!

 

ثم الأسوأ هنا أن لا تُراعى الظروف الشخصية للمعلم البديل كالمرض أو وفاة قريب أو حالة مستعجلة تضطره للمغادرة أو..!

 

أذكر أني مرضتُ ذات يوم مرضًا شديدًا فـغِبتُ ليومٍ واحد وبعد بَدْءِ موعد دوام ذلك اليوم بنصف ساعة أو أقل اتصلتْ بي المديرة لا لتطمئنَّ وإنما لتهدِّدني – وبأسلوبٍ سيءٍ جدًّا – بالاستغناء عن خدماتي إنْ غِبتُ يومًا آخر!! ولم تنسَ أن تذكِّرني أنها تتصرف معي بـِنُبْلٍ إذْ تصبر على غيابي هذا اليوم!

بالتأكيد عرفتم الوصف المناسب لمثل هؤلاء.. نعم.. إنها الإدارات “اللا إنسانية”!

 

وفي حياتي العَمليَّة في التدريس قابلتُ صنفَيْن متعاكِسَيْن من إدارات المدارس في تعاملها مع الأنشطة المدرسية!

صِنفٌ لا يُحبُّ الأنشطة المدرسية أبدًا.. ولا يشجِّعها.. ونادرًا ما يقيم حفلًا أو مهرجانًا طلَّابيًا.. فـجُلُّ تركيز اهتمامه على الحصص الأكاديمية فقط..

 

وصِنفٌ ثانٍ من الإدارات دَيْدَنُه وشغله الشاغل إقامة الأنشطة المدرسيَّة والاحتفالات في كل مناسبة ولكل ذكرى، ولو كان هذا على حساب الدروس أو حتى انضباط المدرسة! فالطلبة المشاركون هنا في الأنشطة والاحتفالات دائمي الاعتذار عن حضور حصصهم بحجة أنهم يتدرَّبون لنشاطٍ ما، والمعلمون المسؤولون دائمي الاعتذار عن إعطاء حصصهم بحجة أنهم يُدرِّبون!!

 

الصنف الأول كلاسيكيٌّ روتينيٌّ قاتلٌ للإبداعات الطلابية! والثاني متسيِّبٌ لا يصلح لإدارة مدرسة أكاديمية بل بالكاد نادٍ ترفيهيٍّ فاشل!

 

وإنما خير الأمور أوسطها.. أن تُعطى الحصص الأكاديمية حقَّها، وأن تُعطى الأنشطة والاحتفالات والإبداعات الطلابية حقَّها أيضًا… دون أن يطغى شيءٌ على شيء…

 

حسنًا أيُّها القرَّاء الأعزَّة، ربَّما خُيِّلَ إليكم من كل ما سبق أن جميـــع إداراتنا المدرسية سيئة وذات سلبياتٍ لا تُحصى!!

في الواقع : لا! هذا غير دقيقٍ ألبتة!

كم رأيتُ من إداراتٍ ممتازة! صفاتها عكس كل السلبيات التي وردتْ في هذه المقالة،

إدارات إنسانية، عادلة، منضبطة في نفسها، مُحِبَّة لعملها نشطة فيه، متوازنة، ذات حِكمة وهيبة وسيادة، تضع كل إنسانٍ في مكانه الصحيح، بل تحفِّزه للمزيد؛ مما ينعكس إيجابًا على المعلمين  والمعلمات والطلبة…

 

فـلهؤلاء الرائعين ألف تحية ومليون شكر.. هؤلاء هم بحقٍّ “الإدارة القائدة” أو “المدير/ة القائد/ة”.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات 2 تعليقان

Mohammad tawalbeh منذ شهرين

الوسط هو الاعتدال وهو الخَيار والخير ، ولهذا قال الله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمّة وسطا) ، ومن ليس هذا حالُهُ يكون مطففاً ، يكيل في تعامله بمكيالين، وقد توعدهم الله تعالى بالويل، قال الله تعالى: (فويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يُخسرون) ، ونسوا العدل والإنصاف في الحكم بين الناس، ونسوا مسؤولية الراعي عن الرعية، أو ليست هذه القيم في بالهم.

وإلى الأمام في تجلية الطيب وكشف الخبيث، وشكراً،

    إنعام عبد الفتاح
    إنعام عبد الفتاح منذ شهرين

    صحيحٌ تماما ما تفضلتَ به ، أستاذي الفاضل، فالادارات التي تقرب وتصطفي بعض المعلمين دون بعض ، أو لا تراعي الظروف الانسانية لهم ، أو . أو .. هي اداراتٌ مطفّفة تفتقد للانصاف وتحمل المسؤولية بالشكل الذي يرضي الله عز وجل.
    أشكرك جزيل الشكر لتفضلك بقراءة المقال والتعليق المميز عليه .. بورك قلمك وجهدك

أضف تعليقك