سلسلة مذكراتُ معلمةٍ وتأملاتها – عـيـونـهـم تُـراقـبـنـا

27 ديسمبر , 2017

في إحدى المدارس التي دخلْتُها قالتْ لي طالبة في الصف التاسع: أنا أحبُّ تلك المعلمة، وأشارتْ للمعلمة الجديدة التي لا تُدرِّس لها، سألتُها: لكن هذه المعلمة ما زالتْ جديدة هنا لم تكمل أسبوعًا وهي لا تدرّس لكِ .. هل تعاملتِ معها؟

ردَّتْ فورًا : لا.. لا.. لكن أنا أحبُّ جدًّا طريقة لُبْسِها واكسسواراتها، إنها أنيقة جدًّا ولهذا أحبَبْتُها، ولو تدرِّس لنا سأسكتُ، وأنتبه لها في كل الدروس!

 

لاحظتُ ذلك كثيرًا، جمال ثياب المعلمة له دوره في جذب انتباه وقلوب الطالبات! هذا صار واقعًا عند أجيال طالباتنا..

إنهن يراقبن لباسنا.. بل ويُقومننا عليه!

 

 يراقبون تصرفاتنا داخل الصف:

أخبرتني إحدى الطالبات يومًا أنها لاحظتْ أن الأستاذ فلان لم يدخل صفَّه يومًا إلا مبتدءًا برجله اليمين! أنا انصعقتْ من قوَّة الملاحظة .. والمراقبة لنا نحن المعلمين!

 

حركاتنا، مشيتنا، كلامنا، إجاباتنا لأسئلتهن، ردود أفعالنا في الهدوء والغضب، كل شيء حتى طريقة شربنا وأكلنا في أثناء الاستراحة.. وحين يقدِّمون أمامنا فقرة تقليد المعلمين يُبدعون تمامًا في تقليدنا بكل سَكنة وحركة وكأنهم نُسخ طبق الأصل مِنّا!

 

 ويراقبوننا بالفيسبوك أيضًا!

بمجرَّدِ أن يُضيف معلمٌ طلابَه إلى حسابه الفيسبوكي تبدأ عمليات “الحفر والتَّنقيب” في منشوراته حتى تلك التي رَدَمتْها السنوات!!

بمجرد ما أرى إعجابًا “لايكًا” لمنشور قديمٍ عفا عليه الزمن أعلم أنه قد تم التنقيب عن سوابقه كلها!

وأضحك في داخلي من طفولة وبراءة طالباتي، إنهن يُراقبن حتى حساباتنا الفيسبوكية! ويستخرجن جميع المنشورات والصور الشخصية والعائلية السابقة والجديدة، ومنها يكوِّنون فكرة لكلِّ صغيرةٍ وكبيرة عنَّا، وبناءً على كلِّ ذلك يُخضعوننا للتقويم!

في البداية كنتُ لا أُضيف إلى صفحتي بالفيسبوك إلا الطالبات الثقات العاقلات، ثم مع الأيام أصبحتُ لا أرى مانعًا من إضافة أيِّ طالبة، مع أني غالبًا أنشر فيها أمورًا ومشاعر وخواطر شخصية، واجهتُ بعض الإشكاليات في التعامل مع بعض الطالبات اللواتي ما زال فهمهنَّ لمنشوراتي الخاصة كفهم الأطفال! لكن الأمور عمومًا سارتْ على ما يُرام..

 

ذات يوم اكتشفتُ أن طالبات الصف الأول الثانوي يكتبنَ ما أطلقْنَ عليه (قاموس مصطلحات مِس إنعام)!!

والقصة أني بطبيعتي تعودتُ كلماتٍ ساخرة مُضحكة عند مواقف معينة.. ومن شدَّة تعوُّدي تلك الكلمات لا أقولها وأنا أضحك، بينما مَن يسمعها منِّي غالبًا يكون يسمعها لأول مرة بحياته؛ فيكاد يُغمى عليه من الضحك! اكتشفتُ أنهم يكتبون هذي الكلمات ويحفظونها! مثلًا:

حين تسألني إحداهنَّ فجأةً: بأيِّ درسٍ نحن؟؟ أو بأيِّ صفحة أو بأيِّ فقرة؟؟ فغالبًا ردِّي المباشر عليها: “صباح الليل” حبيبتي!!

وللطالبة التي تطيل الهمس في أُذن صديقتها أقول: “مِس يعني حرام عليكِ، ارحمي آذان صاحبتك”!

وإذا أحسستُ أن هناك نُذُرًا لمشاجرة على وشك الحدوث بينهنَّ لمشاكل سابقة بينهنَّ، وكان توتر الأجواء واضحًا.. أتوقفُ قليلًا عن إعطاء الدرس وأكلِّمهنَّ بنبرة السخرية والمزاح: “حبيباتي ليش بتغلبوا حالكم وبتجيبوا كتب على المدرسة؟!! انتم لازم تجيبوا حجارة، عصيّ، مسدسات، أحزمة ناسفة.. وهيك.. لزوم الطّوَش يعني”! فيضحكون جميعًا ويخفّ التوتر في الصف، ثم أستمعُ لمشكلتهنَّ وأحاولُ جهدي الإصلاح.

 

وفي الحصص التي تكون في آخر الدوام إنْ أحسستُ أن الطالبات أخذهنَّ النعاس والتعب والملل إلى عالم آخر؛ فإنني لا شعوريًّا أقول: “ألووو .. هل يسمعني أحد .. حوّل! ألوووو .. هل الإرسال جيّد هنا أم أنَّ الشبكة ضربتْ؟؟!!” فيضحكْنَ ويتنشَّطْنَ من جديد.

هذه وغيرها مواقف وجُمل عادية جدًّا بالنسبة لي، لكن لَفَتَني أنَّ الطالبات يَرْصُدْنَ كل قولٍ وفعل يصدر من المعلمة حتى لو كان ضاحكًا أو عارضًا أو قليل الأهمية لها..

 

معاشر المعلمين والمعلمات: هذي فرصةٌ ذهبية ونعمةٌ عظيمة أَوْلاها الله عزَّ وجل لنا، صدِّقوني بإمكاننا غرس حدائق غنَّاء من الخيرات، وجمع كنوزٍ ثمينة من الحسنات والدعوات!

 

فإنَّ الطالب لا محالة سيقلِّدكَ، ويقتبسُ منكَ، ويتشرّب، ولو القليل.. فانظرْ واخترْ لنفسكَ.. أيّ شيءٍ تحبُّ أن يتَّبعكَ فيه؛ ليقول فيما بعد للناس: هذا ما اقتبستُهُ من معلمي فلان .. فيقول الناس: نِعم الاقتباس وبوركَ للمُقتَبَسِ منه.. أو يقولون: بِئسَ ما اقتبستَ، ولا وُفِّقَ يومًا مَن عنه اقتبستَ…!!

 

اخترْ لنفسكَ أيُّها المعلم أيَّ جُزأَيِ الحديث الشريف التالي تريدُ أن ينطبق عليك..

قال صلى الله عليه وسلم: “من دعا إلى هُدًى ((والهدى يشمل كل ما فيه خير ومصلحة دينية ودنيوية، والدعوة إلى هذا الخير بكل أشكالها قولًا وفعلًا وقدوةً وحركةً)) كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا‏،‏ ومن دعا إلى ضلالةٍ ((والضلالة هنا كل ما فيه شرٌّ وأذى وينهى عنه الدين والخُلُق والعقل السليم)) كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا” رواه مسلم.

 

نحن بصفتنا معلِّمين علينا أن لا ننسى قبل كل تصرفٍ نُصدِرُه أنَّنا مراقَبون بكاميرات عيون طلابنا!!

فكيف نريدُ أن نظهر في الصورة؟!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات 4 تعليقات

ما شاء الله أختي انعام…….حديقة غناء تتناثر حولها المعاني……أسلوبك جميل قريب إلى القلب .
دام نبض قلمك يهتف لزرع شجرة القيم.

    إنعام عبد الفتاح
    إنعام عبد الفتاح منذ 6 شهور

    بوركتِ أختي منيرة ،، كلماتك الطيبة تشجعني للمزيد ، رب يسعدك ويكرمك

ايثار منذ 6 شهور

بارك الله فيكِ
صديقتي مقاله رائعة

    إنعام عبد الفتاح
    إنعام عبد الفتاح منذ 6 شهور

    تسلمي ايثار ،، جزاك الله خيرا على متابعتك الدائمة لمقالاتي

أضف تعليقك