سلسلة مذكراتُ معلمةٍ وتأملاتها… معلمات ولكن..

22 يناير , 2018

في أثناء تَطْوافِي الواسع بين المدارس المختلفة (عَمِلْتُ حتى الآن في أكثر من 15 مدرسة مختلفة)  تعرَّفتُ على معلماتٍ رائعاتٍ ومميزاتٍ علمًا وخُلُقًا ورجاحة عقل، تعلمتُ منهنَّ الكثير في الناحية التدريسية وأساليب التدريس، أو أساليب التعامل مع الطالبات، أو حتى في شؤون الحياة عامةً..

 

ولكن أيضًا.. وبكل الأسف أقولها.. كم من معلماتٍ قابلتُهنَّ فهززتُ رأسي أسفًا من الزمان الذي صار فيه أمثالهنَّ معلماتٍ وتربويات وقدواتٍ للأجيال!!

 

أعتذر مسبقًا لكل المعلمات الفاضلات عن موضوع مقالة اليوم… لكني لم أجد بُدًّا من الكتابة فيه، بالطبع هذه المقالة تتحدث عن أولئك القِلّة القليلة المؤسفة، لا عن الغالبية العظمى المُفرحة منهم؛ فَلْنقرأها إذًا بكل الودِّ والتفهُّم والاحترام، وَلْنعتبرها فرصة لمراجعة بعض السلوكيات في مجتمع المعلمات والارتقاء بها.

 

في إحدى المدارس كان جميع الكادر من الإدارة للآذنات للمعلمات -ما عدا معلمة الرياضيات- يدخِّنون داخل المدرسة.. وبشراهة عجيبة!!

 

كانت سجائرُهنَّ تشتعل في كل خمس دقائق للمعلمة.. في كل استراحة.. في كل اجتماع.. في المطبخ.. في غرفة الإدارة.. وطبعًا في غرفة المعلمات.. في الصباح الباكر قبل الطابور.. في نهاية الدوام قبل المغادرة!!

 

كنتُ أنا ومعلمة الرياضيات الوحيدتان اللواتي لا ندخِّن!! ولكنا بالتأكيد صرنا ندخّن بما يسمى ” التدخين السلبي “… لدرجة أني في تلك الفترة تعبتُ صحيًّا كثيرًا، والمصيبة أن ذلك كان فصل الشتاء حيث لا يمكنني الابتعاد للساحة؛ لأنها غالبًا تُمطر، والمدرسة صغيرة ليس فيها أي مرفق يمكنني الهروب إليه من دخانهنَّ!

 

بالطبع قابلتُ الكثير من المعلمات المدخِّنات في مدارس أخرى.. بل تقريبًا في كل مدرسة.. لكن ليس الكادر كله، وليس بهذه الشراهة، وليس بانعدام الذوق هذا!!  كثير من المعلمات اللواتي ابتلاهنَّ الله بهذا البلاء -التدخين- على الأقل تحترم البيئة المدرسية، تحترم زميلاتها، تحترم نظرة الطالبات لها.. فلا تفعلها إلا خِلْسةً عن عيون الطالبات، ومرَّةً أو مرَّتين في اليوم كلِّه، لا كمثل أولئك!!

 

لكل معلمةٍ ابتُليَتْ بهذه السيجارة.. أدعوها لتتأمل قليلًا: تُرى كيف تنظر الطالبات لها؟! سأُصارحكنَّ أنني كثيرًا ما سمعتُ من الطالبات مباشرةً الجمل التالية حرفيًّا:

“مِس قَرِّبي من مِس فلانة وانتِ تشمّي ريحة دخانها.. والله لو إنها كاينة بمقهى تحشيش مش هيك..!!”.

“مِس هوّ التدخين يجوز لكم يا كبار وممنوع علينا احنا الصغار؟؟”.

“مِس صح التدخين حرام.. طب ليش مس فلانة بتدخّن؟؟”.

 

من طفولتي وأنا أتضايق من المعلمة التي تشتم الطالبات الكسولات بأسماء الحيوانات، واليوم اكتشفتُ أن أسماء الحيوانات تعتبر ألطف بكثيــــــر من الألفاظ القذرة التي تتفوَّه بها بعض المعلمات في زمننا هذا!

 

أُلاحظ أن بعضهنَّ تنتبه لكلماتها في الغرفة الصفية أمام طالباتها، ربما لأنها تخشى أن تنقل طالباتها كلماتها للإدارة أو للأهالي؛ مما قد يسبب لها مشاكل، ولكن في غرفة المعلمات حين تتحدث بأيِّ موضوع أو تستخفُّ دمها؛ فتُلقي نكتةً ما تُفرغ كل قاذورات جَعبتها تاركةً للسانها العِنان؛ ليعبر عن حقيقة مستوى نظافتها!! والمصيبة الأكبر أن توافقها وتضحكَ لها ومعها الأُخريات، وكأنهنَّ يشجِّعنها للمزيد!!

 

فلماذا.. لماذا يا عاقلة.. يا تربوية.. يا مربية الأجيال؟!! لماذا أيتها الأنثى التي يُفترض أنها من الجنس اللطيف الرقيق المهذَّب النظيف اللسان؟!!

 

ذات يوم وفيما بين الحصَّتَيْن رأيتُ إحدى المعلمات الصغيرات في السنِّ وقد اجتمع حولها الكثيـــر من طالبات الصف العاشر والتاسع في الممرِّ، وبعد دخولهنَّ الصفوف أخبرتْني بأنَّهنَّ كُنَّ يُحاصرْنها بالأسئلة عن خصوصيات خطيبها، وقرب موعد زفافها، بل وتجرّأْنَ وتفوَّهنَ بعبارات بالغة في التعدي على خصوصية ليلة الزفاف!

 

سألْتُها ولماذا تعطيهنَّ فرصة للحديث معكِ بهذا الأمر؟ فاكتشفتُ أنها هي بنفسها سبق لها أنْ حدّثتهنَّ في حصصها عن علاقتها بخطيبها، وما يقوله لها، وصورها معه، وهداياه لها و…!  فقلتُ لها: إذًا لا ملامة على الطالبات أن تجرّأْنَ وقُلْنَ لكِ مثل تلك العبارة!!

 

يا للأسف أن تصبح الحصة مرتعًا لحديث المعلمة مع طالباتٍ في سنِّ اندفاع المشاعر عن أدقِّ خصوصياتها مع الخاطب والزوج!! لتثير في نفوسهنَّ ما لا تُحمَدُ عقباه من الفضول والمشاعر والأفكار!!

 

وهذا من أسوأ ما وجدته من سلبيات في سلوكيات بعض المعلمات -وأغلب النساء عمومًا- التحدث فيما بينهنَّ عن خصوصيات العلاقات الخاصة، بل حَدَثَ أني في إحدى المدارس التي سبق أن عملتُ بها كنتُ أضطر لوضع سماعات الهاتف وسماع الراديو على أعلى صوت في أثناء تواجدي في غرفة المعلمات كي لا أسمع كلامهنَّ الذي جُلُّهُ في هذه المواضيع!!

اسمها خصوصيات.. وليس للنشر للعموم! هي علاقة خاصة وأسرار أُسريَّة لا يصح نشرها وإذاعتُها لأحدٍ لا شرعًا ولا حياءً ولا منطقًا ولا حتى حبًّا ولا وفاءً!!

 

قد أتفهَّم أن لا ترتدي المعلمة الجلباب أو الحجاب، ولكني أستصعبُ جدًّا أن أفهم كيف ولماذا ترتدي بعض المعلمات ملابس شديدة التبرُّج في مكان دوام رسميٍّ له خصوصية الاحترام التربوي، وليس في حفلة أو سهرة!

 

لا أتفهَّم أبدًا أن ترتدي ملابس شديدة الضيق خاصة إنْ كان جسمها لا يليق به!! ولا أتفهَّم أبدًا ارتداء الملابس المفتوحة من الصدر والظهر بشكل كبير أو القصيرة جدًّا!! والمصيبة تعظُم حين تكون معلمة محجبة مع تشمير الذراعَيْن مع بنطالٍ ضيّقٍ جدًّا!

لن أتحدث هنا عن وجوب الحجاب الشرعي، ولكني على الأقل أتساءل: ماذا عن اللبس غير المحتشم ؟!!

 

في النهاية لستُ أطالب بالمعلمة الكاملة المثالية -وإنْ كنتُ أتمنى أن تكون- ولستُ أزعم أني المعلمة الملاك -وإنْ كنتُ أتمنى أن أكون- غير أني يا قوم لكم من المُحبّينَ الناقدينَ الناصحين.

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات 2 تعليقان

شكرا للكاتبة الغيورة على هذه اللمسات للسلوكات النشاز من بعض المدرسات والى الامام نفعك الله ونفع بك

    إنعام عبد الفتاح
    إنعام عبد الفتاح منذ 4 شهور

    جزاك الله خيرا دكتور ونفع الناس بعلمك وتواضعك وأدبك الجمّ

أضف تعليقك