سلسلة مذكراتُ معلمةٍ وتأملاتها معلمة ولكن.. التعليم الإضافي  

1 نوفمبر , 2017

بعد ثلاث سنواتٍ كاملة على تخرُّجي جاءتني أولُ وظيفة.. معلمةٌ بديلة لمدة أسبوعين فقط في مدرسة حكومية تبعد عني مسيرة ثلاث مواصلات ذهابًا ومثلها إيابًا! وتستغرق العودة منها ساعتين أو أقل أو أكثر قليلًا -نظرًا للأزمة المرورية- ومع ذلك قَبِلْتُ، ومن هنا بدأَتْ رحلتي، وما زالتْ إلى اليوم، في عالم التعليم الإضافي.. معلمة بديلة!

 جميلٌ جدًّا أن يذهب عنكَ ألمٌ في جسدك أرَّقَكَ لياليَ طِوالًا .. لكنَّ المؤسف أن يكون هذا مؤقَّتًا فقط و بفعل المسكِّنات!!

لطيفٌ جدًّا أن تتنفَّس الصُّعَدَاءَ حين تلامس قدمك الأرض بعد سقوطٍ مُدَوٍّ.. لكنَّ الكارثة حين تكتشف أنَّ ما لامَسَتْه قدماكَ ليس سوى أرضٍ هشَّة توشك أن تسقط بكَ هي الأخرى!!

يفرح الطفل جدًّا بفقاعات الصابون الطائرة من حوله، ويتخيَّلها غيومًا بيضاء تحمله إلى السماء فيضحك مُنتشيًا بها.. ثم يبكي مُرَّ البكاء لحظةَ يكتشف أنها كانت مجرد فُقاعاتٍ في الهواء!!

 وككل هذا.. كان العمل في التعليم الإضافي!

 

ما معنى التعليم الإضافي؟

إنه لمن لا يعلم يعني أن نعمل في التدريس بدلًا عن المعلمة الأصلية المعيَّنة رسميًّا، وذلك في حالة إجازتها المرضية -وقد تكون إجازة مرضها أسبوعين فقط- أو في حالة إجازة أمومتها مثلًا –ثلاثة أشهر- ويحدث أن تكون الولادة تمَّت في العطلة مثلًا فإجازة الأمومة هنا لم يتبقَّ منها سوى شهر أو أقل!

وأحيانًا يكون هناك شيء اسمه (بدل نقص) يعني لا يوجد في التشكيلات التدريسية لهذه المدرسة أي معلمة أصلية في التخصص الفلاني؛ فتقوم الوزارة بملء الفراغ بمعلمة بديلة إلى أن يعيِّنوا أو ينقلوا معلمةً أصليةً في هذا الشاغر، وحينئذٍ تُستبعد المعلمة البديلة بلا رحمة!

بالنسبة لي كان هذا فضلًا كبيرًا من الله -عزَّ وجَلَّ- ونافذةً جيدة لي، وللعمل في التعليم الإضافي من الفوائد ما لا يُعدُّ ولا يُحصى، فلولاه ما تدرَّبْتُ ولا تطورتُ مهنيًّا، ولا حتى في شخصيتي وحياتي وعلاقاتي الاجتماعية، فبسببه تعرفتُ على أروع الشخصيات من الزميلات المعلمات اللواتي كُنَّ بحقٍّ مثالًا يُحتذى ونموذجًا مشرِّفًا للمعلم المميز خُلُقًا وعلمًا وعملًا، واقتبستُ منهنَّ الكثيرَ مما ينفعني وأُطوِّر به عملي، وكذا رأيتُ من الطالبات من أنعشنَ فيَّ روح الشباب وطاقة الإبداع وهمَّة الإنجاز، فأحببتهنَّ وصادقتهنَّ أخواتٍ لي وبنيَّات، وعقدتُ عليهنَّ الآمال لِما فيه خير البلاد والعباد في مستقبلهنَّ.

 وهذا كله لا ينفي المأساة التي يعيشها كل معلم/ة يعمل في التعليم الإضافي في الأردن!! ليس أقلها قلة الراتب، الذي هو نصف راتب المعلم الرسمي مع أن المعلم البديل يقوم بنفس مهامِّ المعلم الرسمي كافَّة، لا ينقص منها شيءٌ بل قد يزيد! ثم تأخر تسليم هذا الراتب على قلَّتِه إلى ما بعد نصف الشهر الذي يلي! ثم فوق ذلك لا يوجد تأمينٌ صحي ولا إجازات مرضية للمعلم البديل، وإنْ غاب يومًا فيخصم منه أجر ذلك اليوم، ولو كان على سرير الطوارئ! والأدهى والأمر هو شعوره الدائم بعد الأمان الوظيفي؛ فهو مهدَّدٌ بالاستغناء عن خدماته لأيِّ شكوى قد يختلِقُها مديرُه أو بعض الأهالي!

 ولعلَّ من عجائب العمل في التعليم الإضافي أن تكون فيه خصلة هي أحلى ميزةٍ فيه من جهة وأسوأُ سلبيَّةٍ فيه من جهةٍ أخرى!تلك هي عدم الثبات في موقع عملٍ واحد!! أي كثرة التنقل من مدرسة لأخرى!

 

أما الميزة في ذلك، وهي في نظري أحلى ميزاته، فهي الإثراء..

أعني إثراء تجربتي في التدريس.. بل في الحياة.. من خلال التعرف على بيئات وظروف عمل متنوعة، ولكل منها حكايات وتجارب وخبرات وتأملات.. وصداقات!

وأما السلبيَّة في ذلك، وأيضًا أظنها أسوأ مساوئ الإضافي؛ فهي عدم الاستقرار!

فبما أن المعلم البديل يقوم مَقام الأصلي فقط وقتَ إجازته -طالت هذه الإجازة أم قصُرَتْ- فإنه سيظل يشعر في داخله أن البيت ليس بيته، وبالتالي لا يُمكنه التغيير أو العبث بأثاث البيت وديكوراته ما دام صاحب البيت سيعود بعد قليل!

كما أن عدم الاستقرار نابعٌ من كوننا لا ندري هل سيكون لنا نصيبٌ من العمل في التعليم الإضافي هذا العام أم لا؟

وشخصيًّا كم من أعوامٍ مرَّت دون أن تسنح لي فرصةُ العمل معهم ولو لأسبوعين!

وإنْ عملْنا معهم فربَّما تكون حصيلتُنا في العام كله أن نعمل فقط أسبوعين، أو شهرًا واحدًا، أو شهرين.. إلخ.

فرحمةُ الله إذن على الاستقرار!

ببساطة يا سادة نحن في مهبِّ الريح! لا يمكن أن تخطط لحياتك بشكل مستقر لأن أساس التخطيط (طبيعة العمل والراتب ومكان العمل) غير مستقر!

كان يمكن تقبل الأمر بشكل أفضل لو تمتع المعلم البديل بنفس مزايا المعلم الأصلي الذي يقوم مقامه من حيث الراتب والتأمين الصحي والإجازات المرضية، والأهم المعاملة والنظرة من الإدارة المدرسية والزملاء حتى أولياء الأمور!

واليوم نحن في عام 2017، أي بعد 12 سنة كاملة من تخرجي من الجامعة، ما زلت حتى يومي هذا أسبح وسط أمواج التعليم الإضافي المتلاطمة!

وطبعًا لِعَامِلِ الزمن وطول العهد الأثر الكبير والواضح في انخفاض الدافعية، وتكسر المجاديف وتجمد الإبداع و.. يتبع



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات 4 تعليقات

ميلا مجذوب منذ 3 أسابيع

رائع ،
ألقيتِ الضوء عزيزتي على مشكلات اساسية ويجب النظر فيها من قبل الجهات المعنية ، وتحدثتِ بلسان المئات أو الآلاف من زميلاتك وزملائك المدرسين ، أرجو أن تصل هذه المقالة إلى كبار المسؤولين ليقوموا بالواجب تجاهكم ، فمعظمكم قدموا وما زالوا يقدموا الأفضل للطلاب ، وهذا بحد ذاته إنجاز ، أعني الإستمرارية دون فقد الأمل
دمتم بخير وتوفيق من الله

    إنعام عبد الفتاح
    إنعام عبد الفتاح منذ 3 أسابيع

    أشكر كلماتك الطيبة والمشجعة ميلا ☺️
    وبالفعل نرجو لو يطلع المسؤولون ع معانااننا نحن كمعلمي الاضافي ويتخذوا الاجراءت المهمة لنا فورا …

    اشكركِ جزاكِ الله الجنة

Etharalzobi منذ 3 أسابيع

احسنتِ إنعام بارك الله فيك ِ ..فأنت تحدثتي عن مشكلة اجتماعية تعاني منها فئات كثيرة وتتأرجح بين كانا ومانا .. في التعليم الإضافي
قلتِ ما يجب قوله وأوصلتِ الفكرة بحذافيرها ويا حبذا لو أن أحدهم يسمع شكوانا فيجد لنا حلا ..يا حبذا لو ينظرون للتعليم الإضافي من باب أوسع .فالمعلم معلم وواجباته هي نفسها سواء معلم أساسي أو بديل ..بوركت جهودك عزيزتي . ونسأل الله أن يفرج عنا جميعا

    إنعام عبد الفتاح
    إنعام عبد الفتاح منذ 3 أسابيع

    أشكرك جداً ايثار ..
    أضمّ صوتي لمطالبتك .. ولو أنهم يفعلونها لكان خيراً كثيراً للمعلم البديل وللطالب وللعملية التعليمية كلها.. لو يعلمون !

    أسعدني و رب يبارك .. جهدك معي في التفاعل الدائم والطيب مع هذه المدونات

أضف تعليقك