سلسلة مذكراتُ معلمةٍ وتأملاتها – مع أولياء الأمور-

5 مارس , 2018

في نهاية الفصل الدراسي لأحد الأعوام، جاءني استدعاءٌ لغرفة المديرة، وهناك وجدتُ أحد الآباء الكرام، والد “مروى” الطالبة المجتهدة من الصف العاشر، يشتكي أنه رأى علاماتها وكلها كاملة، ولكنه انصدم من نقص علامة الشهر الثالث!

 

بقيتُ معه في حوار عقيمٍ طويل وأنا أُفهِمُه أن علامة الشهر الثالث توضع بناء على الأنشطة والتقارير التي تقدمها الطالبة، بالإضافة للسلوك والمشاركة الصفية وحل الواجبات، وأن ابنته “المتفوقة” تعمَّدتْ أن لا تقدم أيَّ نشاطٍ أو تقريرٍ طَوَال الفصل، ظانَّةً أن علامة الشهر الثالث توضع حسب مزاج المعلمة! ولذلك فمِن الطبيعي أن تنقص علامتها، ولا تحصل على الدرجة الكاملة، علمًا أني راعيتُ كونها متفوقة؛ فلم أخصم لها كل العلامة التي يفترض أن أخصمها، مع تنبيهي وتذكيري المتكرر لها خاصة في الأسابيع الأخيرة!!

 

طوال الحوار العقيم معه لمستُ تباهيه المتواصل بل غروره وهو يُركِّز نقاشه على أن ابنته متفوقة!! وكأن التفوق وحده بطاقة تؤهلها لاستحقاق كل شيء وأيَّ شيء! وأنا عبثًا أحاول إفهامه أنها وإنْ كانت متفوقة لكنها تعتمد فقط على دراسة المادة المكتوبة في المنهاج، ولم تبذل جهدًا في الأنشطة الصفية، ولا يصحُّ أن تتساوى مع غيرها ممن اجتهدْنَ، وفعلْنَ، وقدَّمنَ، الأنشطة والتقارير طوال الفصل!!

 

تدخَّلَتِ المديرةُ وصارتْ أمامه تمدح الطالبة على اعتبار أنها متفوقة، وتتوقع لها أن تكون واجهة المدرسة في التوجيهي، وتتخصص في الطب و.. و.. وكان في كلامها له معنى ((المعلمة مخطئة لكن بكرمكَ سامحها!))، وطلبتْ مني أمامه أن أضع للطالبة العلامة الكاملة!! طبعًا رفضت واعتبرتُه ظلمًا لزميلاتها وتدليلًا زائدًا لها.. في النهاية تحت الضغط وضعتُ لها على مضض 38 /40!!  أحسستُ أن هذه هي “البَلطجَة” في أوضح صورها..!

 

وحين ذكرتُ الموقف لاحقًا لإحدى المعلمات العريقات في تلك المدرسة تعجَّبتْ من أسلوب المديرة وكلامها وأخبرتْني أن مروى ليستْ من المتفوقات في المواد العلمية.. بل وليست أصلًا من أوائل صفها في آخر عامَيْن!!

 

في حادثة مشابهة طريفة جاءتني إحدى الأمهات يومًا لتراجعني في ورقة امتحان ابنتها، العجيب أن إجابة ابنتها كانت واضحةً للجميع ((لأني سألتُ وأشهدتُ كل المعلمات أمامها)) أنها مائة بالمئة خطأ! بل لا منطق فيها أساسًا!! ومع ذلك كانت تلك الأم تلحُّ بشدَّة لأضع للإجابة إشارة صح وأُغيِّر العلامة!!

 

وعند حديثنا عن أولياء الأمور بالطبع لا تنسى مربية الصفِّ معاناتها الدائمة من أولئك الأمهات اللواتي يتوافَدْنَ في بداية العام الدراسي أسرابًا وأفرادًا، يُطالبنَ أن تجلس بناتهنَّ في المقعد الأول تحديدًا!! أو عدم وضع ابنتها مع بنت حماها في شعبة واحدة! أو المطالبة بمراعاة نفسيَّة البنت بمعنى تدليلها الزائد وتمييزها عن زميلاتها بالمعاملة…إلخ!!

 

غير أنَّ أغرب قصص اللقاء بأولياء الأمور التي حدثتْ أمامي كانتْ والدة إحدى الطالبات في الصفِّ الخامس، عرفتُ لاحقًا أن هذه الطالبة هي الأُولى على صفِّها، هادئة، مهذَّبة، رقيقة المشاعر، الإجرام الحقيقي يومها كان من والدتها!!

 

والقصة أن معلمات هذه الطفلة بلا استثناء مدحوها، وأثنُوا على تفوقها وحُسن سيرتها وأخلاقها، وعكس كل الأمهات الطبيعيَّات في الدنيا لم تفرح هذه الأم بهذا المديح لابنتها! بل استشاطتْ غضبًا، وربَّما غَيرةً وحقدًا، وبدأتْ تُقلِّل من شأن ابنتها أمام معلماتها، وكل من تواجد في المكان وتُخرجُ علانيةً ما سمّتهُ فضائح ومعايب البنت ورَمتْها بالسباب وكالتْ لها الاتهامات!!

 

فأما نحن المعلمات فقد لَجَمتْنا الدهشة! وأما الصغيرة المسكينة فقد حرقتْها الدموع من بعد أن جرحَتْها قسوة كلمات هذه المُسمَّاة “أمًّا”.. فخرجتْ تركضُ بعيدًا!! بينما بدا الارتياح الكامل والانتعاش على مُحيَّا المجرمة بعد أن أتمَّتْ نَفْثَ سُمِّها!!

 

وعلى النقيض من ذلك كله كانت المواقف المشرِّفة الكثيرة لأولياء الأمور الذين قابلتهم في حياتي التدريسية:

كم فرحتُ وانتشيتْ بكلام ذلك الأب الذي جاء للسؤال عن ابنته المتفوقة المهذَّبة مع أمها وكان اهتمامه الأول بالسؤال عن أخلاقها وسلوكها في المدرسة قبل أن يسأل عن علاماتها، ولمَّا أثنيتُ من كل قلبي على حُسن تربيتها وأخلاقها لمحتُ دمع الفخر في عينَيْه وهو يقول:

” العلامات لو كانت سيئة تتعوض، وأقول لنفسي لعل قدرات ابنتي وابني العقلية هكذا، لكن أخلاق لأولادي لو كان فيها نقصٌ فهاهنا المصيبة الحقيقية لنا كأسرة”!

 

وكم سعدتُ بتلك الأم التي انتحتْ بي جانبًا يوم لقاء أولياء الأمور لتهمس في أذني: “بنتي تحبك وتظل تحكي لإخوانها بالبيت القصص اللي تحكينها لهم؛ فأرجو أن تكملي معروفكِ، وتقنعيها بالحجاب، فأنا وخالتها تعبنا لكثرة ما قُلْنا وهي للأسف تستمع لصاحباتها أكثر منا”!!

 

وكم تغمرني السعادة حين تختم أمهات الطالبات حديثها معي بعد السؤال عن ابنتها بدعوة مثل: الله يجزيكِ الخير، الله يرضى عنك ما قصرتِ، ربي يسعدك ويعطيكِ ألف عافية.. إلخ   فـللّه الحمد والمِنَّة.

 

تحيَّة.. تحيَّة.. ألف تحيَّة إلى كل أبٍ مهتمٍّ، وإلى كلِّ أمٍ راقية، يتفهَّمان الملاحظات السلبية على ابنتهما من معلماتها، فيعرفان أنها لصالح ابنتهما، ويَعلَمَانِ دون تَعالٍ المستوى الحقيقي لدرجات ابنتهما؛ فلا يعلو صوتهما في ردهات المدرسة مطالبَيْن بعلامات خيالية لها، ولا يتَّهمانِ المعلمة بالتقصير ولا يُسيئا الأدب معها، ولا يحرِّضان ابنتهما ضد معلماتها، وفي الوقت نفسه لا يأنفَان أن يسألا المعلمات والمرشدة النصحَ والتعاون لتقويم ابنتهما سلوكيًّا أو أكاديميًّا والارتقاء بها..



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات 2 تعليقان

Mohammad tawalbeh منذ شهرين

الى كل منصف ومنصفه يوفون الميزان بالقسط ولا يطففون المكيال _وهم قليل _ خالص الدعاء والرجاء ان يثيبهم الله الجزاء الاوفى وليبشروا بنفعهم العميم واثرهم البالغ وان كثر الزبد _الذي يذهب جفاء_

    إنعام عبد الفتاح
    إنعام عبد الفتاح منذ شهرين

    جزاكَ الله خيراً وأسعدك وأكرمكَ في الدّارَيْن دكتورنا الفاضل على هذا التعليق الطيب من شخص طيب عالم مثلك

أضف تعليقك