سلسلة مذكراتُ معلمةٍ وتأملاتُها – المعلم والطالب وأمور نفسية

1 ديسمبر , 2017

تخرَّجتُ في الجامعة، ولم آخذ أيَّ مساقٍ ذي علاقة بعلم النفس أو الأساليب التربوية في التعامل مع الطلبة، ولم أتلقَّ أيَّ تدريب لا في أثناء الدراسة الجامعية ولا بعدها عما يتعلق بكيفية التعامل النفسي مع المرحلة العُمْرية التي يمثلها الطلبة وخاصة في الظروف الأُسْريَّة والنفسية التي تمر بها الأجيال الحاليَّة.

وبذلك بدأتُ عملي بالتدريس وأنا فقيرة لهذه الأمور أكاديميًّا وعلميًّا، غير أني على المستوى الشخصي كنتُ بها غنيَّةً جدًّا إنسانيًّا وعمليًّا، والحمد لله.

كنتُ أقتبس تصرفاتي في الجوانب النفسية مع طالباتي من ثلاثة أمور:

الأول: طبيعة شخصيتي وإنسانيَّتي وأخلاقي؛ فكنتُ أضع نفسي مكان الطالب أولًّا؛ فما أحِبُّه لنفسي أحبُّه لهم، فأنا أُحبُّ أن أُعامَل باحترامٍ وحنان، وأن يُستمَع إلي، وأن تُراعى مشاعري عند مُخاطَبتي؛ فلا أجرَّح ولا أُهان، وأن يُقال لي أحسنتِ إذا أحسنتُ، وأن يُوضّح لي خطئي إذا أخطأتُ، وأن أُعطى الفرصة لأدافع عن موقفي وأبرِّر فِعلي، ثم إما أعتذر، وإما يُعتذَر لي، بكل سلامة قلب، وألا أقيَّد بقائمة طويلةٍ من الممنوعات ما دام لم يمنعها شرعٌ أو منطقٌ (لا ضيرَ عندي مثلاً من تحركٍ خفيف أو تهامسٍ أو حتى تعليقاتٍ “خارج النص” للطالبات في الحصة بما لا يعطِّل سَيْر الحصَّة؛ فنحن في الحقيقة لسنا في ثكنة عسكرية يقف فيها العسكري بلا أدنى حركة لساعات) وهذا كلُّه أحاول جُهدي وطاقتي أن أفعله مع طالباتي.

وما أكرهه لنفسي أكره أن أفعله معهم؛ فأنا أكره الظلم وعدم الإنصاف (حتى ولو بعدم الاستماع لجميع الأطراف في مشكلة طفولية ناشئة بينهم) وأكره الذلَّ والتجبُّر، وأكره الشتائم بل أمقتُ البذيء منها، وأكره السخرية والاستهزاء، وأكره استصغار الأطفال، وتسخيف كلماتهم، وهذا كلُّه أحاول جُهدي وطاقتي أن أتجنَّب فِعله مع طالباتي.

  ينبغي أن يكون المعلم ذكيًّا يُلاحظ السلوكيات النفسية للطلبة ويُقدِّم لهم الاحتواءَ والنصح والحب.. خاصةً للبنات في مثل هذا العمر..

 

ثم الأمر الثاني الذي أقتبسُ منه كيف تكون تصرفاتي في الجانب النفسي مع الطالبات:

القدوة العمليَّة من أساتذتي الدكاترة الأفاضل الذين درَّسوا لي في الجامعة، فقد كنَّا طلابًا عندهم، وكان لكثير منهم تعاملٌ رائعٌ ذو أثرٍ عميق فينا، وذلك بشهادة الكثيرين، فبدأتُ في حصصي أستنسخ الكثير من تصرفاتهم في التعامل معنا على طلبتي في المواقف المشابهة!

وكأبسط مثال استنسختُ أسلوب رَدِّ أحد أرقى الدكاترة على طَلَبات الطلبة، فكنتُ أقول لطالباتي: “حاضر، على راسي، تكرمي، أبشري، يا بنتي، … إلخ”

إضافة لاستنساخي فِعْله بالإنصات لأيِّ استشارةٍ أو مشكلةٍ أو فضفضةٍ من الطالب، ولو في أمورٍ شخصية، وبذل أقصى الجُهد لاحتواء الطالب، وتَقَبُّل ما قال، ومن ثمَّ محاولة النصح أو البحث معه عن حلِّ أو تفريج هَمِّه أو إعانته في خيرٍ يريده.

بل وأحيانًا كنتُ أمام طالباتي أستنسخُ من الدكاترة طريقة الوقوف وطريقة الكلام وطريقة البدء.. بل قد أذكر لهنَّ قصةً أو حِكْمةً أو طُرفةً أخبرنا بها أحدهم ذات محاضرة…!

وثالث مصادر تصرفاتي النفسيَّة مع الطالبات كان مجموعة من تراكمات قراءاتي وملاحظاتي وتطور خبراتي التدريسيَّة.

    فهل نجحتُ؟! نعم، وبنسبة جيدة جدًّا، والحمد لله.

ولكن..

لا أزعم لنفسي النجاح الكامل!  بل أحيانًا تطبيق بعض هذي الأمور جاء بمفعول سلبي!

طِيبة المعلمة، وابتسامتها الدائمة، ومراعاة مرحلتهم العمرية، والسماح لهم ببعض ممنوعات المعلِّمين الآخرين، جَعَلَتْ بعض الطلبة يُفْرِطُونَ في استخدام مساحة الحرية والثقة التي أعطيتهم إياها!

تأمَّلتُ هذا، وتساءلتُ بدهشة: يا إلهي! هل نحن فعلًا شعوبٌ لا ينفع معها إلا الديكتاتورية؟!

 

فيما بعد ومن تراكم تجاربي وتأملاتي في هذه الجانب توصَّلتُ للرأي المتزن فيها!

 توصلتُ للقناعة أن جميع الطلاب يستجيبون ويتأثرون ويَلِينون مع الكلمة الطَّيِّبة، جميعهم بلا أيَّ استثناء -حتى أولئكَ الموصوفين بالعنف والعدوانيَّة- ولكن بصورة أكبر وأوضح خارج الغرفة الصفيَّة!!

 

أما داخلها فهو وكما يُقال “في ملعبه وعلى أرضه وبين جمهوره”!!

سهلٌ جدًّا أن يُحرِّكَ الطالب المشاكسُ مجموعتَه ومؤيِّديه للقيام بإزعاجٍ جماعيٍّ مثلاً، متوقعين منكَ أنكَ طيِّب وتؤمن بالرفق والحوار و.. و.. فلن تُعاقبهم .. وبالتالي لا بأس بهذا المزاح معك!

وهذه النوعية من الطلبة لا يُفسِّرون تسامح المعلم هنا بتفسيرٍ جيد، ولا يفهمون أنه كرم أخلاق وتسامٍ عن حركات صِبْيانيَّةٍ رعناء تتغيَّر مع تقدُّم الطالب بالعُمْر! (ربَّما يفهم ذلك كل واحدٍ منهم على حِدة بعيدًا عن “ملعبه وأرضه وجمهوره”)

وهنا أدركتُ أن الشدة والحَزم وربَّما بعض القَسوة من البداية، داخل الصف أفضل للحفاظ على الضوابط للجميع، أما خارج الصف فاللِّين والحَنان والاحتواء والإنصات لهم و.. خير وذو أُكلٍ طيِّب!

هذا ما اقتنعتُ به نظريًّا وحاولتُ جاهدة لتطبيقه عمليًّا..

 

   خارج الصف صادقتُ طالباتي، صادقتُهم للدرجة التي جَعَلتْهم يأتون إليَّ بأنفسهم مستفسرين ومستشيرين ومفضفضين ومناقشين، وحدثَتْ لي معهنّ في ذلك قصصٌ أثْرَتْ تجربتي وتأملاتي في الجانب النفسي للمعلم والطالب.

وسأسرد لكم مثلاً تجاربي مع بتول، وياسمين، وميساء، و… مع تأملاتي حولها بإذن الله، ولكن ولأني أطلتُ عليكم الآن فما رأيكم أن نجعل هذا للمرة القادمة؟!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات 14 تعليق

Rawan jaradat منذ 11 شهر

جميل … بارك الله فيكِ

    إنعام عبد الفتاح
    إنعام عبد الفتاح منذ 11 شهر

    وفيكِ روان ،، أسعدني مرورك ☺️

Katya منذ سنة واحدة

جزيت خيرا معلمتنا انعام انت رائعه

    إنعام عبد الفتاح
    إنعام عبد الفتاح منذ سنة واحدة

    واياكم كاتيا . أشكر لك ذوقك ولطفك ☺️

رولا عياش منذ سنة واحدة

كلام اكثر من رائع اختي وزميلتي ست انعام نفع الله بك الاسلام والمسلمين واعاننا الله على مهنتنا الصعبة

    إنعام عبد الفتاح
    إنعام عبد الفتاح منذ سنة واحدة

    تسلمي مس رولا
    فعلا مهمة الرسل ومهمة المصلحين .. الله يعين كل المعلمين والمعلمات ويوفقهم فكلهم رائعون ومميزون كلٌّ في مجاله

Ayat منذ سنة واحدة

مقال رائع … بارك الله فيكِ

    إنعام عبد الفتاح
    إنعام عبد الفتاح منذ سنة واحدة

    أشكركِ جدا .. وفيكِ وبكِ رب يبارك وينفع ☺️☺️

Designer منذ سنة واحدة

رائعة
وأبدعت فعلا
بارك الله لك وتقبل منك
وما احوجنا لامثالك في هذا الزمن والله

    إنعام عبد الفتاح
    إنعام عبد الفتاح منذ سنة واحدة

    بوركتم وأشكر لطفكم وحسن ظنكم ،، ومدارسنا والحمد لله مليئة بمن هم خير مني والله

Graphic designer منذ سنة واحدة

رائعة
أبدعت بمعنى الكلمة
بارك الله لك وتقبل منك، و ما أحوجنا لامثالك في هذا الزمن والله

    إنعام عبد الفتاح
    إنعام عبد الفتاح منذ سنة واحدة

    جزاكم الله خيرا ،، صدقني ان المدارس مليئة بالأفضل مني خاصة من المعلمات .. ربما أنا تيسر لي وكتبت مذكراتي كمعلمة.
    أشكركم علىحسن الظن والتعليق الطيّب الجميل☺️

Etharalzobi منذ سنة واحدة

بارك الله فيك صديقتي موضوع رائع جدا ومفيد لنا كمعلمين .. التعامل مع الطلبة بالشكل الصحيح هو جزء عظيم من عملية التعليم
بانتظار تجاربك .حقا اشعر بالمتعة والفائدة عندما أقرأ ما تكتبين بغض النظر عن الموضوع .وفقك الله لكل خير ❤

    إنعام عبد الفتاح
    إنعام عبد الفتاح منذ سنة واحدة

    أكرمكِ الله ايثار ،، وأنا والله أتشرف بقراءتك للمذكرات وتعليقك الدائم الطيّب المشجع عليها … رب ينفع فيك ويحقق جميع طموحاتك ☺️

أضف تعليقك