سلسلة مذكراتُ معلمةٍ وتأملاتُها –رِفقًا بالمعلمات!

15 ديسمبر , 2017

في أحد اجتماعات الهيئة التدريسية لإحدى المدارس كانت المرشدة المدرسية  تُعطينا نحن المعلمات بعضَ الإرشادات والنصائح وأساليب تربوية للتعامل برفق مع الطالبات .. ومن ضمن كلامها  ” يا معلمات .. تذكروا دائمًا  أن تراعينَ نفسيّات البنات بهذه المرحلة العمرية  و.. ”

 

وبينما كان  الصمتُ مخيّمًا ولا صوت إلا صوتها، لا شعوريًّا وجدُتني أنطق وأقول:

“والله ونحن أيضًا نحتاج من يراعي نفسياتنا، رِفقًا بنا!”

وفي ثانية انفجر الجميع بالضحك وتعالتْ أصوات التأييد والإعجاب بما قلت.

 

في المقالتَيْن السابقتَيْن من هذه السلسلة كان تركيزي على بيان أهمية اهتمام المعلم بالجانب النفسي للطالب، وبيّنتُ أهمية أن نراعي الجانب النفسي للطلبة وظروفهم وبيئاتهم ومشاكلهم، بل والعمل على حلها لهم، وذكرتُ نماذج من مذكراتي لدور الدعم النفسي للطلبة في المجالات المختلفة…

ومن هنا رأيتُ ضرورة الكتابة في موضوع هذه المقالة اليوم!

 

نحن المعلمات أيضًا بشر، نحن أيضًا لنا أنفُس بشرية.. تحتاج من يُهَدْهِدُها ويحضنها ويُسكنها ويستمع إليها ويحمل عنها أثقالها ويُطيّبها ويُدخل السرور عليها..!

نحن أيضًا بشر، لدينا أنفُسٌ يُرهقها اللوم من المسؤولين عنا، ويُدمّرها الجحود لما تبذله، وتُثقل كاهلها ظروف الحياة..!

نحن أيضًا بشر، من جنس البشر اللطيف المسمّى أُنثى.. تُؤلمنا قلوبنا إذا ما أُهملَتْ، وتنكسر خواطرنا إذا ما خُذلَتْ ، وتفتر هِمَمُنا إن ما كُرّمتْ!

نحن أيًضا بشر، نتعرض  لِما يتعرضُ له كل البشر من ظروف ومشاكل حياتية، قد نتعرض لظلمٍ يدمّرنا.. من زوجٍ أو أخٍ أو عمٍّ أو حتى أبٍ  وأمٍّ وابن..!

قد نتعرض لانشغال القلب على زوجٍ أو ابنٍ أو أبٍ أو أم … لسفرهم أو مرضهم أو أيّ مصابٍ يصيبهم..!

وكأيّ بشريٍّ في العالَم قد نتعرّض لأمراضِ اكتئاب أو احباطٍ أو فتور الهمّة أو موت الدافعية .. أو اللا رغبة بشيء ..!

 

صدّقوني نحن المعلمات وكأيّ بشريٍّ في الدنيا قد نتعرّضُ لألمٍ لا يُبكى ولا يُشكى .. لكنه يُطفئ جَذوة الروح!

حتى الشمس بجلالة قَدْرها يأفلُ نورها وتغيب كلّ يوم، فلماذا يتوقعون منا إشراقًا دائمًا وعطاءً تامًا غير منقوص؟!

نحن أيضًا بحاجة لمن يشحننا بين الفينة والأخرى – كما البطارية – بطاقةٍ متجددة تدفعنا للعمل والإنجاز..

نحن أيضًا يا إدارات مدارسنا بشرٌ، يلزمنا من يُراعي نفسيّاتنا ويلطّف كلامه وأسلوب تعامله معنا..!

نحن أيضًا ايا وزارتنا بشرٌ، نحتاج أن تُراعى طاقتنا الاستيعابية عند تكليفنا بالمَهمّات..!

نحن أيضًا يا زميلاتنا العزيزات بشرٌ، مثلكنّ.. يُؤذينا القِيل والقال، وأحزاب الوُشاة، وتكتّلات السُّلُطات..!

 

نحن أيضًا يا حضرات أولياء الأمور بشرٌ، نشعر بالضغط وهَوْل تحمّل المسؤولية، فإذا كنتَ في بيتكَ بالكاد تحتمل أربعًا أو خمسًا من أبناءكَ أربع ساعات يوميًا  -لأنهم باقي الوقت إما ينامون أو ينشغلون بالتلفاز والآيباد- فإننا وبكلّ الحبّ نحتمل ما لا يقلّ عن 250 طالبة – من مختلف البيئات والسلوكات والأفكار والمزاجات – ثماني ساعاتٍ  يوميًا.. فأيّنا أحقّ بالرفق به واللّين معه؟!

 

نحن أيضًا يا أبناءنا الطلبة بشرٌ، مثلكم.. لنا ظروفنا.. ومشاكلنا.. وآلامنا.. وأحلامنا.. وخَيْباتنا…

لا تظنوا أننا ارتحنا لمجرد أننا أنهينا دراستنا وتوظفنا! لا .. بل كونوا على ثقة أنّ المسؤوليةَ والتعب والهموم تعظُم كلّما تقدم الإنسان مرحلةً من عمره!

نحن المعلمات بشر، لدينا قلبٌ ومشاعر وأحاسيس كما لكل إنسان.. نحب ونعشق، نكره ونبغض، نفرح ونحزن، نخاف ونضعف،

نحن كما أنتم.. نتمنى ونحلم، ننجح ونفشل، وأخوفُ ما نخافه أن نفشل في مهمّتنا بالتدريس!

أخبرتني الكثيرات من المعلمات أنهنّ – خاصة في سنواتهنّ الأولى  بالتدريس – دكُنّ يُكابرْنَ ويُجاهدْنَ لاظهار شيءٍ من القوّة  والجَلَد والتحمل أمام الجميع، ثم سرعان ما ينهَرْنَ في خَلَواتهنَّ بكاءً وتعبًا وخوفًا من الفشل..!

واسألوا وسائد أسرَّتنا كم تشرّبتْ من دمعنا في الليالي الحالكات من خوفنا أن نضعف أو نفشل أو ننكسر!

فلا يَنقصنا بعد ذلك طالبٌ متمرّد، ولا وليّ أمرٍ مغرور، ولا زميلٌ متسلق، ولا إداريّ متسلّط… إنّ ما فينا يكفينا!

 

    فكونوا عَوْناً لنا لتستخرجوا بأقصى طاقتنا أروعَ عطاءنا..!

نحن المعلمات بشر، لكل واحدة منا واجباتها تجاه أسرتها  – والدَيْن وأخوة أو زوجًا وأبناء -.

 

وواجباتها تجاه مدرستها  وطالباتها من وضع الخطط، والتحضير اليومي، والتفكير بالأنشطة المرافقة لكل حصة وتصميمها وتحضيرها، وكتابة الامتحانات والتصحيح ورصد العلامات، بالإضافة للتفكير والتحضير للأنشطة العامة كالاحتفالات والمسابقات الخاصة بتخصصها وتدريب الطالبات عليها، ومتابعة طالبات صفّها من حيث الغياب والاجازات المرضية وحل خلافاتهم وتقويم سلوكاتهم و.. و..، وطبعًا قبل وبعد و أول ذلك كله الوقوف في حصصها لتدريس المادة وتقديم المعلومة الصحيحة والقدوة الطيبة أمام طالباتها وبناء شخصياتهم السويّة…

وهذا كله لا يكون في المدرسة فحسب، بل وبعد انتهاء الدوام الرسمي أيضًا.. في بيتها.. وعلى حساب وقتها ووقت أسرتها…!

 

نحن بشر يُرهقنا العمل كآلات – وإنْ كُنّا مؤمنين أن التعليم رسالة وقِمّة في النُّبل والعطاء – فالروتين والإرهاق والإحساس بعدم التقدير سكاكينٌ تذبحنا من الوريد إلى الوريد..!

 

أفلا يحقّ لنا بعد كل هذا أن ننادي في العالَمين: أيّها الناس ..  رِفقًا بالمعلمات..!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات 4 تعليقات

Mohammad tawalbeh منذ 4 شهور

شكرا للمعلمة الكريمة على هذه الكلمات العتابية المصورة لواقع مر اليم يكاد يخلو من الرحمة والحنية واللطف والتقدير .فهل من مراعاة للبشر يا بشر،وهل من تغيير؟صرخة في واد …فهل من مجيب؟

    إنعام عبد الفتاح
    إنعام عبد الفتاح منذ 4 شهور

    العفو أستاذي الجليل ،،
    لكل مهنة متاعبها خاصة على الاناث… لكن التدريس أكثرها !
    أسأل الله أن يوفق جميع المعلمات ويعينهنّ .. وجزاكَ الله خيرا واكرمك في الدارين

بارك الله في قلمك إختي انعام……وأنار فكرك دائما بالحق……. المعلم هو العمود الفقري في العالم ليس في المدرسة فحسب ، وكلماتك الملتهبة زدات المعلم تألقا ورونقا.
استمري غاليتي

    إنعام عبد الفتاح
    إنعام عبد الفتاح منذ 4 شهور

    صحيح ، المعلم هو العمود الفقري للعالم … المهم أن يدرك العالم خاصة في محيطنا العربي هذا ويقدره ..

    وفيكِ رب يبارك ☺️

أضف تعليقك