شَيْئًا مِنَ الرَّحْمَةِ

16 سبتمبر , 2017

مُذْ كنتُ تلميذةً وأنا أكرَهُ المدرِّسين قُساةِ القلوبِ، فهَأَنَذَا أدعو الله صبيحةَ كلِّ يومٍ أن تكونَ مدرِّسةُ الرياضيات مريضةً وغائبةً عن حصتها، وهَأَنَذَا لا أحقِّق في مادتها علاماتٍ مرتفعةً كما أَحْصُدُ في باقي المواد، لدرجةٍ تدفع مديرةَ المدرسة إلى التعبير لأبي عن اندهاشها من حصولي على المرتبة الأولى في مسابقة العلوم بين مدارس المحافظة على الرَّغْمِ من دُنُوِّ علاماتي في مادة الرياضيات.

ما كانَتْ تَجْهَلُه مديرةُ مدرستي أن تقصيري في مادةِ الرياضياتِ لم يكن إلا بسبب الخَوْفِ والرَّهْبة من معلمةٍ لا أتذكر من حصَّتِها سوى الصراخِ والشَّتْم ومواقفَ وحشيةٍ لَشَدِّ شَعْرِ فلانة؛ لأنها لا تميز بين علامتي أكبر وأصغر، أو لصَفْعِ فلان؛ لأنه لا يجيد القسمة.

مواقفُ صفيةٌ قاسيةٌ كثيرةٌ علقَتْ في ذاكرتي حين كنتُ طفلةً قررتُ بسببها ألا أسمح لنفسي بأن تَبْدُرَ مني بعد أن أصبحْتُ اليوم مدرِّسَةً.

يمكنك الاطلاع على

الأستاذة التي حطّمتني، والأستاذ الذي أعاد بنائي!

ما لا ينتبه له الكثيرُ منا بوصفنا مدرِّسينَ، أن سلوكياتِنَا وتصرفاتِنَا مع التلاميذ قد تكون سببًا من الأسباب التي تؤدِّي لضعفِ تحصيلهم أو قد تَتْرك ندبة موجِعَة، يبقى أثرُها السيِّء في نفسيتهم ومستقبلهم للأبد.

في أثناء عملي مدرسةً أَتَذَكَّر يومًا مَا أني حَضَرتُ حصةً لإحدى زميلاتي، وكان حضور المدرِّسين لحصص بعضِهم لبعض، رغبةً في اكتساب معرفة جديدة أو تبادُلًا للخبرات، بدأت المدرِّسةُ حصتها في الصف الرابع، وفي أثناء الشرح دخل “علي” -وهو تلميذ في الصف- متأخرًا، أوقفته هذه المعلمة، ومن ثمَّ سألَتْهُ عن سبب تأخره، وقبل أن يذهب لمقعده أخذت تسخر من حذائه المقطع، وطالبَتْهُ بأن يأتي المرة القادمة بحذاء جديد.

جلس الطالب في مقعده، وكنتُ طَوَال الوقت أراقب تصرفاته، كان يبدو عليه الإحراج والحزن، وجهٌ أحمر، ابتسامةٌ خافتة تشير لزميله في المقعد أنني بخير لا تقلق، شرود وانطواء. دَقَّ الجرس معلنًا انتهاءَ الحصة وبَدْءَ وقت الاستراحة، انطلقَتْ المعلمةُ للخارج وبقيتُ أنا في الفصل بعد أن أخبرتها بأني سأتبعها بعد قليل، انطلق كذلك معظم الطلاب سوى “علي” وأصدقائه.

 

يمكنك الاطلاع على

معلمات لن أنساهن!

أخذْتُ أتظاهر بأني أُلَمْلِمُ أوراقي راغبة في متابعة ما سيجري، أطرق الولد رأسه وأجهش بالبكاء ومن حوله أصدقاؤه يواسونه، حين حاولتُ أن أقترب منه، بادرني أحد أصدقائه بالقول بأن: “والد “علي” شهيد ولا يوجد من يعيله؛ لأن أمه لا تعمل، وما كان على المعلمة أن تقول ما قالته”.

جلستُ إلى الطفل، وحدثته عَلِّي أخففُ عنه قليلًا، وبعد أن هدأ خرج إلى الفناء مع أصدقائه، ولكني كنتُ مؤمنةً أن موقفًا كهذا طُبع في ذاكرته للأبد. وبالفعل كان اسم الولد مدرجًا ضمن الطلاب الذين يتلقون المساعدات، المشكلة أن المعلمة لم يبدو عليها أي اكتراث أو تأنيب للضمير بعد أن أخبرتها بأن ما حدث كان أمرًا بشعًا.

من المواقف الْمُرِيبة أيضًا أنني كنتُ أتمشَّى يومًا في ساحة المدرسة في أثناء استراحة الطلاب، والتلاميذ يلعبون، ويركضون، وبالطبع تصدر منهم أصوات مرتفعة، جاءت إحدى المدرِّسات تحمل عصًا وانهالت عليهم بالضرب؛ لكي يبتعدوا عن غرفة المدرسات، ثم جاءت تعطيني العصا لأواصل عنها المهمة، وحين رفضْتُ وأخبرتها بأني لا أضرب الطلاب، صدمتني قائلة:” إنهم أولاد شوارع ولا يؤدبهم غير هذه العصا.”

 

ننسى كثيرًا أن المدرَسَة هي بيت الطلاب الثاني، أن منها نخرِّجُ بناةَ المستقبل، فإما أجيال مهزومة مهزوزة، وإما أجيال واثقة ومعتدة بنفسها. إن بتصرفاتنا قد نغير مصير شخص ما، فلماذا لا تكون تصرفاتنا محسوبة ومدروسة جيدًا قبل أن نقوم بها.

 

مقارنة أطوال وأحجام التلاميذ مع زملائهم ليست سوى تقنية تحزن قصير القامة أو صاحب الوزن الزائد من الطلاب، السخرية من عَرَج في الساق أو حَوَل في العينين أو أي أمر يتعلق بذات الطلاب وأوضاعهم المادية شيء لا يمكن قبوله من أي شخص، فما بالك إذا صدر من مدرِّس!

يدور في أدمغة بعض المدرسين بكل أسف أن علينا أن نبدو وحوشًا كي يهابنا الطلاب، ولكني أتساءل إن نحن لم نعطف على طلابنا ونرحمهم فهل ننتظر من الشارع أن يعلمهم الرحمة!

احترامنا للطلاب لا يعني أبدًا تهاوننا، وما دمنا لا نبالغ في العطف والشفقة عليهم فلا يوجد مشكلة، يعرف الطلاب جيدًا التمييز بين معلميهم، والأهم من كل هذا أن ذاكرتهم ستبقى دوما تُكِنُّ لمعلمٍ رَحِمَهم بالغَ الاحترام.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك