عندما يتحول التعليم إلى تجارة بين أيدي أصحاب رؤوس الأموال

23 يوليو , 2018

ويعرف وول ديورانت الحضارة في موسوعته (قصة الحضارة) بأنها:

نظام اجتماعي يعين الإنسان على الزيادة من إنتاجه الثقافي، وإنما تتألف الحضارة من عناصر أربعة: الموارد الاقتصادية، والنظم السياسية، والتقاليد الخلقية، ومتابعة العلوم.

 

ويمكن القول بناء على هذا التعريف وتعاريف أخرى لمفكرين واقتصاديين آخرين، أن الحضارة تتألف من أجزاء ثلاثة: اقتصاد – سياسة – تعليم، فيشمل الاقتصاد نواحيَ متعددة مثل التجارة والصناعة والزراعة وغيرها من عوامل الاقتصاد.. ويمكن أن نقول إن التعليم هو ما يؤسس لكل العوامل الأخرى، فهو ما يؤثر على الاقتصاد والسياسة ويبني التقاليد ويطور العلوم، وبناء عليه فإنك يمكن أن تعرف مستوى حضارة أي دولة من مستوى التعليم الذي يتلقاه سكانها.

 

وقد تكفلت الحكومات في أغلب دول العالم بتأسيس المدارس بكافة مراحلها والجامعات واهتمت بتأمين التعليم بشكل مجاني أو شبه مجاني، لكن يبقى ما تؤمنه الحكومات غير كافٍ لأسباب كثيرة منها قلة موارد الدولة وعدم القدرة على تلبية الاحتياجات التعليمية بشكل كامل وأيضًا تزايد عدد السكان الذي لم تقدر الحكومات على مواكبته من خلال تأمين المزيد من المدارس الحكومية.

 

وربما كان هذا أحد الأسباب التي دفعت لإيجاد المدارس والمؤسسات التعليمية الخاصة التي أرادت بطريقة ما منافسة المدارس الحكومية وتقديم تعليم بمستوى أفضل وأكثر قدرة على مواكبة التطور العلمي في دول العالم، لكن اليوم يمكن أن نقول بكل ثقة إن التعليم قد تحول إلى تجارة، الهدف الأول والأخير والوحيد منها هو الربح النهائي الذي سيحصل عليه صاحب المدرسة أو المؤسسة>

ويمكن أن تتعرف على هذا الأمر من خلال عدة أمور ستجد أن المدارس الخاصة صارت تحرص عليها:

 

الكثير من المظاهر المكلفة التي يلزمون الطلاب بها

مثل اللباس الخاص غالي الثمن وإلزام الطلاب بشرائه كل عام، مع لباس مشترك للرياضة وشكليات كثيرة لا تغني مستوى الدراسة أو ترفعها، بل بالعكس تغطي هذه المظاهر على سوء العملية التعليمية ومستواها الذي يعتبر موازيًا في كثير من الأحيان للمدارس الحكومية.

 

مصاريف إضافية تطلب طول السنة:

رحلات ترفيهية، صور جماعية، مواد لازمة للدروس والتي من المفترض تأمينها من المدرسة مثل مواد الأشغال الفنية واليدوية.

 

اعتماد أسلوب التلقين في الدروس:

حيث يقومون بإعطاء الطلاب ما يحتاجون حفظه ليأتي في الامتحان ويحصل الجميع على نتائج جيدة أو ممتازة بحيث يرفع هذا مستوى تقييم المدرسة اعتمادًا على طريقتهم في امتحان الطلاب.

 

ولا ننسى الكثير من المذكرات والملازم التي يفرضونها على الطلاب ويطلبون منهم شراءها كي يدرسوا منها وينجحوا في المادة، ويتم إقناعهم أنها أفضل من الكتب المدرسية رغم أنها مجهود شخص واحد لا أحد قام بتدقيق ما كتبه أو التأكد من صحته، بخلاف الطريقة التجارية التي يتم طباعتها بها.

 

الطالب دائمًا على حق:

يعرف المدرس هذا الأمر جيدًا فعليه دائمًا وفي كل حال مراعاة الطالب وعدم إزعاجه وفي حال حصلت مشكلة تتبع الإدارة نظرية (الزبون دائمًا على حق) والزبون هنا هو الطالب وأهله الذين يدفعون مبالغ طائلة فلا يمكن أن تخبرهم أن ابنهم عديم التربية ويحتاج إلى الكثير ليتعلم كيف يحترم معلمه ويدرس كما يجب عليه أن يفعل!.. فالمعلم هنا سيكون هو الملوم في كل حال.

 

المدارس والمعاهد التعليمية صارت عبارة عن أفضل مشروع تجاري يمكن أن يقوم به أي شخص يملك بعض المال دون أن يكون لديه الحد الأدنى من الخبرة التربوية أو المعلومات الكافية لإدارة مدرسة من المفترض أنها ستُخرج أجيال المستقبل والتي ستبني الوطن وتحمل هم الأمة وتقف في وجه المؤامرات التي نتعرض لها، فلا تخرج هذه المدارس -اللهم إلا ما رحم ربي منها- لا تخرج إلا جيلًا يعرف أن المال هو السبيل الوحيدة الذي يمكن أن يحقق من خلالها كل مصالحه، وأن المظاهر والربح المادي هو مقياس كل شيء في الحياة ولا يهم كم تكسب من القلوب وكم تبني من النفوس وكم من العقول تعزز وترفع من مستوى وعيها.

 

فهل هذه هي الأجيال التي نطمح لرؤيتها؟! وهل ستكون قادرة على عمل نهضة وإعادة بناء بعض الحضارة واستعادة القيم التي فقدناها في مجتمعاتنا العربية والإسلامية؟

كثيرًا ما نلوم التعليم الحكومي بسبب رداءته وتدني مستواه وسوء المناهج التعليمية وعدم مواكبتها للتطور التعليمي والعلمي في العالم، لكن التعليم الخاص على ما يبدو ليس بأفضل منه..



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك