كارثة حصة الرياضة

3 يناير , 2017

حصة الرياضة أصبحت من نصيبي

يا إلهي، ما الذي أراه؟!

فوضى تعم المكان، ثرثرة كلام وكلام، ما الذي يحدث، لم كل هذا؟

هذا ما لاحظته وما كان يدور في رأسي حالما دخلت الصف، بعد أن أخبرتني المديرة في المدرسة بأن حصة الرياضة المقررة لطلابي الآن أصبحت من نصيبي، بسبب مصادفة حصتين لي في يومين كانا عطلة رسمية من قبل الدولة، ولكن أيعقل أن يحدث كل هذا الشغب والثرثرة وعدم الانضباط، بسبب استيلائي على حصة الرياضة الخاصة بهم!

نعم إنها حصة الطلاب المفضلة كما هو معروف دائمًا، والتي يتخلصون فيها من أعباء الوظائف والاختبارات ومن الانتباه والصمت والشدة والتركيز، ومن العديد من الأمور التي يكرهها الطلاب ويعانون منها كل يوم في المدرسة، فكما هو معروف بأن هذه الحصة الترفيهية هي مساحة لهم ليخرجوا فيها كل طاقاتهم وشغبهم ومرحهم، ويعملوا على تجديد طاقتهم لاستقبال الحصص الأخرى بطاقة أكبر مما سبق وبنشاط جديد.

ولكن ماذا حدث الآن؟ الآن وبسببي فقد فقدوا كل تلك التفاصيل بجمالها وروعتها بالنسبة لهم، ولكن لحظة، بسببي أم بسبب العطل الرسمية المفروضة من قبل الدولة، فعلًا شيء يدعو للسخرية! ولكن ما ذنبي أنا؟ المديرة ومن يلوذ بها هم فقط من يقرر توزيع الحصص وتعويضها في حال اصطدامها مع العطل، فما شأني أنا وهم من ينظمون ذلك كله؟! وكيف سأتغلب على هذه الموجة الكبيرة التي أمامي من الشغب والغضب والاحتجاج والاحتقان التي أراها في طلابي، وفي وجوههم الواجمة قبالتي، يا إلهي! لقد أوشكت على فقدان صبري.

ولكن للصراحة والحقيقة فهم على حق في ذلك، أذكر أنني عندما كنت في سنهم، كنا أنا وصديقاتي ننتظر حصة الرياضة بفارغ الصبر، لننتقل من المواد النظرية ومن التلقي الدائم والجلوس الصامت إلى الحركة واللعب والنشاط والمرح، ولكن قمة المتعة كانت في لباس الرياضة الذي أحبه، عندما كنا نتجرد من اللباس الخاص بالمدرسة والذي كان يرافقنا 6 حصص في اليوم و35 حصة في الأسبوع، والذي علق بنا منذ انضمامنا إليها حتى مللنا ذلك الزي! فأصبحت هذه الساعة من كل أسبوع هي الساعة المفضلة لدينا، وتلبس كل واحدة منا لباسًا مخالفًا للأخرى، والتي ننتظرها بشوق منذ بداية كل أسبوع، وللحقيقة هي أقل من ساعة حتى!

هذا ما كنت أفكر به عندما رأيت حالة الطلاب، وهذه الذكريات التي تداعت إلى ذاكرتي عندما رأيت نفسي فيهم عندما كنت في عمرهم وفي مكانهم، فلم أعلم ما يتوجب علي عمله الآن، هل أقوم بتعزيتهم وسلوانهم على رؤيتي أمامهم بصدد التحضر للدرس غير المتوقع بالنسبة لهم؟ أم أقوم بفرض سيطرتي عليهم كوني معلمتهم ويتوجب عليهم الاحترام وتجاهل رغباتهم وميولهم وتشوقهم لحصة الرياضة؟ التي خاب أملهم بضياعها هذا الأسبوع والتي يفترض عليهم الانتظار للأسبوع القادم، والكارثة أن الأسبوع القادم يصادف في يوم حصة الرياضة عطلة أخرى مما زاد من غضبهم علي.

ولكن في مهنتي يجب الخلط والمزج بين القليل من العاطفة والقليل من العقل، فما كان مني إلا أن بدأت حديثي معهم بأن ذلك كله يصب في مصلحتهم وأنهم في المستقبل القريب سيدركون ذلك تمامًا وأنهم في الفرصة يستطيعون التعويض قليلًا وأن الأمر لا يحتاج إلى كل ذلك الغضب، فقمت بامتصاص غضبهم ببعض الكلمات الطيبة فهذا مما يتوجب على المعلمة حتى لا تحصد حقد طلابها عليها بغير ذنب، واستذكرت في ذلك قول سقراط “ماذا تريدونني أن أعلمه؟ إنه لا يحبني”، فمتى ما كره الطالب المعلم فسيستحيل أن يأخذ منه معلومة واحدة وسيصبح فكره كله موجهًا إلى مشاعره المجسدة في الكره والحقد على هذا المعلم، وفي نفس الوقت لم أدع لهم فرصة للاحتجاج والرد، لأني أعلم بأننا متى فتحنا باب الحوار في هذه القضية الكبيرة والعظيمة والمهم بالنسبة لهم فلن ننتهي أبدًا وستتوالى الاحتجاجات احتجاجًا إثر احتجاج من هنا وهناك، وكل منهن ستدلي بحجتها على ظلمي لهن وأخذي لحصة الرياضة المفضلة لهن عنوة وبغير رضاهن وكأني راضية عن ذلك ومتقصدة بالتأكيد، عندها أدركت كم كان معلمونا صبورين مجاهدين، وكانوا يتحملون الكثير من المواقف والأحداث والأمور التي تحتاج الصبر والتحمل ومداراة الطلاب، وكما يقول الدكتور إبراهيم الفقي خبير التنمية البشرية والبرمجة اللغوية العصبية “ينبغي أن تؤمن بأن كل فرد تقابله هو معلم للصبر”.

عمومًا منذ أن امتهنت مهنة التدريس هذه وأنا ألاحظ أن نسبة صبري في تحسن كبير وفي علو مستمر، وهذه نقطة تحسب لصالحي ولله الحمد، فيجب أن آخذ الأمور بإيجابية وأن أنظر إلى نصف الكأس الممتلئ بدلًا من الفارغ حتى لا أشحن نفسي بالطاقات السلبية والتي تنعكس سلبًا على طلابي كلما رأيت غضبهم واحتجاجهم، فأدركت عندها المعنى العميق لقول الشاعر الكبير والعظيم أحمد شوقي:

قم للمعلم وفّه التبجيلا    كاد المعلم أن يكون رسولا

رسولًا ربما يقصد كصبر الرسول، ربما!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك