لماذا اخترتُ أن أكون معلمًا؟

31 مايو , 2018

لا شك أن العقول البشرية جُبلت وفطرت من لدن حكيمٍ خبير على تقبل الأمور ذات الطبيعة المادية التي يستوعبها العقل البشري، ويوزنها بميزانه البشري ذي الإمكانيات الضعيفة. فتجده دائم البحث عما يقع خلف الأشياء محاولًا إيجاد واستكشاف ما لا تراه العين لتعمل على الترسيخ من قناعاته ومعتقداته، أو تقلل منها وفقًا لما يتوصل إليه.

 

طالما أنك عملت أو تريد العمل معلمًا، فمن المؤكد أنك ستسأل هذا السؤال: (لماذا اخترتَ أن تكون معلمًا؟) تختلف الغاية من السؤال بحسب السائل، فإما أن يسأله بصيغة استفهامية، وإما أن يسأله بصيغته الاستنكارية؟ وهنا عليك أن تعد الجواب.

 

اخترت أن أكون معلمًا؛ لأنها المهنة التي حملها الأنبياء والمرسلون، ثم حملها من بعدهم من له هم وهمة، وأثر وتأثير.

 

اخترتُ أن أكون معلمًا؛ لأن الملائكة تصلِّي على معلم الناس الخير كما ورد في الحديث: (‏إن الله وملائكته وأهل السموات والأرضين حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير).

 

اخترتُ أن أكونَ معلمًا؛ لأن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضًى بما يصنع، فما بالك بمن يعلِّمه.

 

اخترتُ أن أكون معلمًا لأنني أستثمر في الحياة الدنيا للآخرة، في تجارةٍ رابحة لا مجال للخسارة فيها أبدًا، كيف لا وأن لي في كل كلمة أو ابتسامة أو حركة صدقة جارية إلى يوم الدين.

 

اخترت أن أكون معلمًا لأنني أزرع البذور وأرويها في أرض خصبة تزيّنت للمعلم وقالت هيت لك، ثم ما تلبث أن تصبح هذه البذور أشجارًا مثمرة تزين الأوطان وترفدها بثمار ناضجة يانعة، وتعطي بستان الوطن ألوانًا تطمئن بها القلوب وتسعد بها الأنظار.

 

اخترت أن أكون معلمًا؛ لأن المعلم صاحب رسالة هي كشجرة باسقة أصلها ثابت وفرعها في السماء؛ اخترتُ أن أكون معلما؛ لأنه لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون.

 

اخترت أن أكون معلما لأنني أعمل على تنمية الانتماء في طلابي لدينهم وأوطانهم وعقيدتهم.

 

وقد لا يكون المعلم في مجتمعه وبين أقرانه كثير المال أو متشعب النفوذ لكنه عن جدارة واستحقاق صاحب التأثير الأقوى في مجتمعه.

 

وهنا لا بد من الوقوف على نقطتين تشكلان جزءًا من حكايتي مع هذه المهنة، ذلك أن النظريات التربوية التي تتناول أثر التنشئة في تكوين شخصية الطفل في بداية حياته كثيرة؛ فيبدأ التأثر بمن هم حوله ويستقي منهم الأفكار ويتعلم المشاعر، يتدرب على تفاصيل الحياة من البيئة التي يقطن فيها، فما بالك إن كان إلى جانبك إنسان تربوي مميز، وقامة تعليمية لديها من الوعي ما يأسر، ألا وهو والدي – حفظه الله.

 

لا أنكر أن من أهم الأسباب التي دفعتني وأثارت الفضول والرغبة لدي بأن أكون معلمًا هو والدي وعمله في الميدان التربوي بين معلم ومدير مدرسة، وتتبعي لشخصيته غالب الأوقات، ليطبع في مخيلتي صورة المعلم المخلص الذي يستمتع في عمله ويعشقه حد الجنون، حتى أنني أصبحت مؤمنًا بالعبارة التي نطقتها إحدى المشرفات عند زيارتي للمرة الأولى وحضور حصة صفية عندي بأنني معلم بالفطرة.

 

اخترت مادة الكيمياء لأعلمها للطلاب، فبعد اجتياز المرحلة الإعدادية والانتقال للثانوية، قابلت معلمة ما زالت صورتها مطبوعة في مخيلتي إلى اليوم، ولا أستطيع نكران جميلها في زرع حب الكيمياء في خلدي، فكانت المؤثر الثاني الذي وجهني لدراسة الكيمياء ليس للعمل بها فقط، فقد تعلمت منها أبجديات التعامل مع المواد الكيميائية، هذه التجارِب أثرت في واقعي التربوي والحياتي في تحليل الأشخاص وفهم دوافعهم وقراءة توقعاتهم، وانتهاج الأسلوب العلمي لحل المشكلات.

 

وعبر هذه الكلمات أبرق تحية إجلال وإكبار إلى كل معلم حمل رسالته بأمانة وأداها على أكمل وجه ودافع عن شرفها واستبسل في ميدانها؛ وتحية إجلال وإكبار أهديها لكل وطن عرف معنى هذه المهنة وقيمتها.

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك