محمد لافي .. أن تكون مدرسًا لفنون الطهي!

23 ديسمبر , 2018

أمضيتُ سنواتٍ طويلة من العمل في مجال الطهي، تنقلت فيها بين الفنادق؛ ثم وصلت إلى مرحلة شعَرتُ أنه يتوجب عليَّ أن أشارك جيلًا جديدًا فلسفة الطهي التي اختمرت لدي بمختلِف ثقافاتها وأشكالها.

لم يخطر لي يومًا أني سأصبح مدرسًا في أي مجال كان؛ فلطالما انصبَّ اهتمامي على ممارسة الطهي والإبداع فيه وحسب؛ وبعد مضي سنوات من التدريب والممارسة جاء اليوم الذي عُرضَ عليَّ فيه العمل محاضرًا في الأكاديمية الملكية لفنون الطهي والتي كانت تُدار في ذلك الوقت من قِبل جامعة لروش السويسرية العريقة؛ رأيت في العرض فرصة ذهبية لأن أشارك خبرتي و معرفتي و فلسفتي الخاصة بالطهي مع جيل جديد آمل أن يحمل معه ذكراي للأبد.

الطهي من وجهة نظري هو محاكاة لثقافات الشعوب المختلفة؛ هو فن لا يقل رقيًّا عن سائر الفنون؛ ويا له من أمر جميل أن يعمل المرء أستاذًا في جانب بَلْوَر فيه خبرته العلمية والمهنية؛ ومن هذا المنطلق بدأت في تدريب و تعليم  فنون الطهي لطلاب جدد لا يملكون أدني فكرة عن الطهي وفنونه؛ ومن حسن الحظ أن الأكاديمية مجهزة بكامل العتاد المهني ومنحت الطلاب فرصة؛ لأن يصنعوا من أنفسهم جيلًا متفوقًا متكاملًا عبر إمدادهم بالمعلومة العلمية السليمة والتدريب المهني المتميز وبذلك خرَّجت للسوق المحلي والعالمي جيلًا يتشبث بأخلاق مهنية عالية ويمتلك المعارف اللازمة في مجاله.

وقد ساعد تصميم برنامج تعليم فنون الطهي على تطوير عدد من المهارات وممارسة المتطلبات الأساسية الخدمية لفنون الطهي وإثراء المعرفة بأساليب الطهي المتنوعة؛ بما يدعم الرؤية الملكية التي ترمي إلى مساعده الشباب الأردني على الارتقاء بخبراته وفتح آفاق رحبة لهم بغية خلق جيل مؤثر يواكب التطور في مجال الخدمات الفندقية والسياحة عامة.

إنني في اللحظة التي وطئَت فيها قدماي الأكاديمية الملكية لفنون الطهي انتقلت إلى عالم آخر؛ يسمح بالاحتكاك بطهاة عالميين؛ وقد وفرت لنا كافة الوسائل ليتسنى لي تطوير أدائي بصفتي شيفًا ومدرسًا في الوقت نفسه.

وإنه من دواعي سروري أن أكون جزءًا من جيل مفعم بالأحلام والقدرات يعمل وفق معايير عالمية وبما يحفظ الهوية الثقافية الأردنية؛ مما يسهم في تنشئة كوادر تتحلى بالتخطيط والتنظيم.

في كل يوم أبذل جهدي كي يتعلم طلابي أساليب الطهي الصحية السليمة والآمنة؛ بالإضافة إلى طرق تقديم غذاء سليم؛ وأولى المفاهيم التي أحاولها شرحها بطريقتي الخاصة أن الطبخ عملية تعتمد على دمج الأطعمة وإضافة البهارات والتوابل والمنكهات المختلفة وبطرقٍ متنوعة بهدف جعلها جاهزة للأكل.

واستطاعوا جيدًا التمييز بين مفهوم الطبخ في العصر الحديث والعصور القديمة؛ فلم يعد الطبخ مهمًا لسدِّ الجوع فقط، بل ظهر الاتجاه نحو التفنُّن في تحضير وتقديم الأطباق المختلفة، والتنافس على إخراجها بأبهى الأشكال وأغنى المكوِّنات.

وتختلف طرق الطبخ من بلد لآخر، هذا الفن يتطور في كل العالم ويبدو ذلك جليًا في المطاعم؛ ومن أهم أولوياته تأسيس رابطة متينة بين الثقافة والغذاء. 

ومن الأوقات الممتعة التي عشتها مع طلابي حين زرنًا معًا عددًا من مزارع الأغوار الأردنية ومنها غور الصافي ووادي رم والشمال الأردني الخلاب وتشاركنا الطهي مع سكان المناطق المختلفة في جرش وعجلون ووادي السير والعقبة.

النقطة المثيرة للانتباه أن دور الإلهام كان متبادلًا مع طلابي؛ فقد ألهموني على المستوى الشخصي بالشغف وحب المعرفة والتفاني بشتى الطرق؛ وما زلت أحرص على متابعة أخبارهم وتطورهم  المهني؛ وأشاركهم أفراحهم وأحزانهم بما في ذلك مناسبة زواجهم وقدوم مواليدهم؛ لقد بنينا معًا عائلة واحدة تجيد التواصل بين أفرادها.

بكل حب أواصل مسيرتي مدرِّسًا لفنون الطهي؛ وها أنا بدأت مؤخرًا بمشروع المعهد الأردني لفنون الطهي؛ ولدي طموحات بأن أصبح بصحبة فريقي طهاة دوليين ينتمون إلى ثقافة شعبهم الذي يعتز بتقاليده على مر السنين؛ هذا الحلم يذكرني دائما بمطبخ بيتنا المتواضع تحديدًا من والدتي التي جعلت مني شخصا شغوفا بمختلف الأطعمة التي كانت تعدها لنا أيام الصغر.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك