مذكرات معلمة وتأملاتها – وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا

11 أكتوبر , 2017

في إحدى السنوات عمِلْتُ معلِّمةً في المدرسة الإعدادية نفسها التي دَرَستُ فيها في صِغَري!

تخرَّجتُ فيها طالبةً أنْهَتِ الصفَّ العاشرَ في عام 1999 لأنتقلَ للمدرسة الثانوية، ثم عُدتُ إليها معلمةً عام 2014! ومكَثْتُ أُدرِّسُ فيها شهرًا كاملًا قبل أن أنتقل منها لغيرها.

في أول يوم لي فيها معلِّمَةً دَخَلْتُ مختَبَرَ العلوم فيها؛ فأثارني جدًّا أن المجسمات العلمية التي عملناها بأيدينا من مادة “الفِلِّين” يومَ كُنَّا طالباتٍ ما زالت موجودةً مُعَلَّقةً على الجدران، ما زالت كما هي منذ 15 عامًا!

وهَجَمَتْ كلُّ ا

لذكريات دُفعةً واحدةً.. كيف كنَّا نجتمع؟! ونعملُ بِجِدٍّ؟! ونتعب لنصنعها؟! وليس في أذهاننا شيءٌ سوى العلامةِ الكاملةِ في مادَّةِ الأحياء أو المعرض العلمي في نهاية السنة.. ولم يخطر ببالنا أبدًا أن تبقى وتدوم أعمالنا أكثر من 15 سنة!

أيُّ فرحةٍ وانتشاءٍ وأنا أراها اليومَ خالدةً معلقةً شاهِدَةً على كلِّ الذكريات؟!

تذكرتُ معلماتي، وتذكرتُ صديقات المدرسة واحدةً واحدةً.. تذكرتُ عَبَقَ الطفولة الماتع وأيامَها الجميلة الباسمة..

وتساءلتُ في نفسي: تُرى هل تبقى كلماتُنا الطيبة التي نقولها لطلابنا بصفتنا معلماتٍ عالقةً خالدةً في أذهانهم كما بقيتْ هذي المجسمات التي صنعناها يومَ كنا طالباتٍ طَوَالَ هذي السنوات؟!!

وتساءلتُ: هل هناك فرق؟

وحانتْ مني التفاتةٌ إلى الزمن مرة أخرى.. إنها 15 سنةً!! ووجدتُني أتأمل هذه الطالبة التي كُنتُها إذْ ذاك، وقد صارتْ اليوم معلِّمةً لطالباتٍ مثلها.

نعم كنتُ في مثل عمرهن، أجلس في مقاعدهن، وأرتدي ذات الزي الذي يرتدونه، وأتلقَّى -تقريبًا- العلم نفسه الذي يتلقَّوْنَه، كنتُ مثلهن أرى الامتحانات صعبةً، وأحبُّ الأنشطةَ اللامنهجية والمسابقات، كنتُ مثلهنَّ أخاف من المديرة وبعضِ المعلماتِ وبالوقت نفسه أحبُّهنَّ، كنتُ مثلهنَّ أتفلَّتُ من المعلمةِ المناوِبَةِ التي تطالبني بعدم مغادرة صفي في أثناء الدقائق الخمسة، كنتُ مثلهنَّ أرى في بعض معلماتي منبعَ العِلم، وأمًّا حنونًا وأختًا ناصحةً ومستشارةً مؤتَمَنَة وقدوةً طيبةً، وأتوقُ مع زميلاتي للاطلاع على بعض جوانب حياتهن الخاصة، كنتُ مثلهن متعلقةً بصديقات المدرسة وضحكاتنا ومشاكساتنا ونقاشاتنا وألعابنا والمساهمة في تخفيف همومنا -التي اكتشفتُ لاحقًا أنها هموم بسيطة مقارنةً بحياةٍ موحشةٍ دخلناها فيما بعد- كنتُ مثلهنَّ أشارك الزميلات في تقويم معلماتنا؛ فهذه قويَّة عِلْمِيًّا، وهذه لطيفة، والثالثة شديدة، أما تلك فعصبية، وتلك لا عِلْمَ عندها ولا لطف!

 

ثم ها قد توالتْ الأيام وتبدل الحال.. ها أنا ذي أحمل دفتر التحضير بدلًا من دفتر حَلِّ الواجبات، وأضع أسئلة الامتحانات، وأصحِّحُ الأوراق بدلًا من أن أجيب فيها يوم الامتحان!

وأَقِفُ في الطوابق والساحة المدرسية معلمةً مناوِبَةً، عليها واجبُ حفظِ النظام، وأجلس في غرفة المعلمات في حصص الفراغ -على قلتها- أحتسي الشاي، وأستمع إلى قصص المعلمات وأحاديثهن الخاصة والعامة، وأقف في الغرفة الصَّفِّيَّة أمام أكثر من 35 طالبةً (وقد يصل العدد في بعض المدارس التي دخلتُها إلى 50 طالبة في الصف الواحد) وكلُّهُنَّ يَسْمَعْنَنِي إذا تحدثتْ، ويتلقَّيْنَ كلماتي كأنما هي الصواب المطلق، والعلم المؤكد، ويستجِبْنَ إذا طلبتُ، وينفِّذْنَ إذا أمرتُ، ويضحكْنَ إذا ألقيتُ طُرْفَةً، ويتأثرون إذا ألقيتُ موعظةً!!

فللَّهِ الحمد، أيُّ فضلٍ أَوْلاني؟! وأيُّ بابِ خيرٍ فتح لي؟! وأيُّ شرف وهبني؟!

وأيُّ حِمْلٍ ثقيل ثقيل؟! وأيُّ تكليف ومسؤولية وحساب؟!

فلِلَّهِ الحمد كلُّه، فهو الذي كبَّرني، وجعلني معلمةً بعد أن كنتُ طالبةً صغيرة…

 

لكن هل ما مُورس عليَّ حين كنتُ طالبةً يصلُحُ اليومَ أنْ أُمارِسَه معلمةً؟ هل طلابُ اليومِ كَمِثْلِ طلاب الأمس خُلُقًا ورغبةً بالعلم؟ هل واقع التعليم اليومَ مثلُه بالأمس؟ وهل نحن –المعلمِين- اليومَ امتدادٌ لمعلمي الأمس؟

 

في مشاركاتي القادمة بإذن الله في هذه السلسلة التي تحت عنوان (مذكِّرَاتٌ وتأملاتُ معلمة) سأسرد فيها من تجربتي الشخصية العديدَ من المواقف والأحداث التي يتعرض لها المعلمون بإيجابها وسلبها، بهمومها وطرائفها، وأتحدث من خلالها عن واقع التعليم في بلدي، وهو الذي بالتأكيد يشابه كثيرًا واقعَ التعليم والمعلمين والطلبة في معظم الدول العربية.

وسأجعلها بإذن الله بأسلوبٍ قَصَصِيٍّ مشوِّق، وفي الوقت نفسه أتحدث عن تأملاتي وملاحظاتي حولها من وجهة نظري.

وآمُل أن تلْقَى لديكم القبولَ الحَسَنَ والاستحسان كما تلقى الفائدةَ والاستمتاع.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات 3 تعليقات

غادة العجلوني منذ 7 أيام

الحمد لله غاليتي
من جد وجد
والقادم أجمل وافضل بإذن الله
لك مني كل الحب والدعم

    إنعام عبد الفتاح
    إنعام عبد الفتاح منذ 7 أيام

    أشكرك جدا معلمتي الغالية ست غادة عجلوني

إنعام عبد الفتاح
إنعام عبد الفتاح منذ 7 أيام

أشكركم جدا لنشركم مقالتي ،
وانوّه أن هذه المقالة هي الأولى في سلسلة مقالاتي التي بعنوان (( مذكرات معلمة وتأملاتها )) والتي سأنشرها في موقعكم الكريم تِباعاً باذن الله ،

أسأل الله أن يبارك بالموقع والقائمين عليه وأن ينفع بنا وبكلماتنا الناس . ☺️

أضف تعليقك