من خواطر مديرة مدرسة: أولادنا والتكنولوجيا

21 يونيو , 2018

من خلال سنين عملي في التربية والتعليم أؤكد أن البيت هو أساس التربية وبناء الفرد، وقد وضع الله تعالى في أعناق الوالدين آباءً وأمهاتٍ أمانةً عظيمة، وهي رعاية أبنائهم وتربيتهم. فللوالدين تأثير كبير في نشأتهم وتشكيل مفاهيمهم وميولهم، وبالتالي صناعة سلوكهم وبناء شخصياتهم.

وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجّسانه”. ولهذا فإنني في خواطري هذه سأوجه حديثي للآباء والأمهات.

 

جاءتني يومًا الأم متسائلة محتارة ماذا تفعل مع أولادها ذكورًا وإناثًا بمختلف أعمارهم حيث يقضون وقتًا طويلًا أمام شاشات الحاسوب أو الهواتف النقالة مستخدمين النت خاصة مواقع التواصل الإلكتروني والدردشة، فهي تخشى عليهم من سيئات ذلك؛ من إضاعة للوقت، وتعرّف على “أصدقاء” سوء من أي مكان في العالم وما ينتج عن ذلك من اكتساب أفكار ومفاهيم وسلوكيات غريبة عن ديننا وقيمنا وفكرنا وأخلاقنا يمكن أن تصل لزعزعة الإيمان، وكذلك الفساد والتقليد الأعمى بحجة التحضر والرغبة في التغيير، وما يمكن أن ينتج من ارتياد مواقع لا أخلاقية، كذلك الدردشة وقصص الحب الوهمية والصداقات الخيالية مع شخصيات مجهولة أغلبها تتخفى بأسماء مستعارة، ناهيكم عن ضعف العلاقات الأسرية لقلة جلوسهم مع بعضهم وتبادل الأحاديث بينهم، وما يمكن أن يسمّى “إدمان النت”، وغير ذلك من نتائج لاستخدام الشبكة العنكبوتية بلا رقيب ولا حسيب؛ وإن احتجَجْت عليهم أو طالبت بالجلوس معهم يرفضون بحجة الحرية الشخصية وأنّ هذا تدخل في خصوصياتهم.

 

لهذه الأخت وغيرها أقول:

إن التكنولوجيا ووسائل التواصل الإلكتروني أصبحت هوسًا للكثيرين ممن لا يستطيعون الاستغناء عنها لا في سفر ولا مرض ولا عمل ولا تحت أي ظرف مهما كان. فنراهم لا يفارقون هواتفهم النقالة، حتى أصبحت عندهم إدمانًا أكثر منها وسيلة اتصال؛ مما أثر على العلاقات الأسرية مثل تقليل مدة الجلوس مع الأهل، وحتى إن جلسوا معهم فهم مجرد أجساد، فهم إما يحادثون أصدقاءهم على “المسنجر” أو “الواتس” أو يغردون في “التويتر” أو يتصفحون “الفيس بوك” أو أحد المواقع، أو ينشرون الصور على الانستغرام “والسناب تشات”، أو يقرؤون بريدهم الإلكتروني، أو يتنقلون على قنوات اليوتيوب، أو بين الألعاب الإلكترونية.

ولهذا أثره الواضح على الترابط الأسري وبرودة العلاقات التي تسللت بوضوح إلى حياتنا الأسرية والعائلية، مما فتح المجال أمام ما يسمى بالتواصل الافتراضي بدل الحوار والمحادثة؛ فأوجد العزلة بين أفراد الأسرة الواحدة، وأسهم في توسيع الفجوة وأحيانًا التنافر بينهم، حتى أصبح الإنترنت مصدرًا للمعلومات بدل الآباء، ففقدوا الترابط الأسري والحوار العائلي وأصبح حوارًا مع غرباء في الفضاء الواسع!

 

وحتى في العلاقة مع بقية الأهل والأصدقاء فقد حَرَمَت التكنولوجيا الكثيرين من الزيارات المتبادلة ومن تلك الحميمية والود المتبادل في الكثير من المناسبات، حيث أصبحنا نلاحظ بعد انتشار استخدام وسائل التكنولوجيا بأنواعها أنه حتى التهاني والتعازي والدعوات صارت كلمات تصل عبر الهواتف أو مواقع التواصل الاجتماعي، وليس كالسابق عندما كان يحرص الناس على تبادل التهاني بالزيارات أو حتى بالاتصال هاتفيًا بالصوت، مما جعل مناسباتنا وعلاقاتنا خالية من المشاعر الدافئة والود الذي كان يظهر من خلال المحادثات واللقاءات المباشرة والزيارات.

 

وكذلك فقد فقدنا خصوصيتنا بأنفسنا وبوساطة هواتفنا، فلم تعد هناك خصوصية ولم يعد هناك قيود، وأصبحت صورنا وصور أهلنا وأصدقائنا وبيوتنا وغرفنا وأثاثنا، ووجبات طعامنا وشرابنا وحتى بعض الناس أماكن نومهم واستراحتهم منشورة في مواقع التواصل، بالإضافة إلى أماكن تواجدنا، وأنشطة حياتنا اليومية وخططنا، وأفكارنا، وطموحاتنا ومشاعرنا ومزاجنا وآرائنا وانتماءاتنا وما نحبه وما نكرهه..

 

وبما أن هذا هو السائد، فوجب الانتباه لبعض الأمور للتقليل من سيئات ذلك: أهمها ضرورة وجود تواصل مفتوح بين الوالدين وأبنائهم وعلاقة جيدة مبنية على الثقة والصراحة، ومنها التأكيد على أهمية الوقت وكيفية إدارته وتنظيمه بوضع برنامج يومي صحيح لاستخدامه، وعدم تركهم لوحدهم في هذا الفضاء.

 

كونوا أصدقاء في مجموعاتهم واسمعوهم كما تُسمِعونهم، واجلسوا معهم لتتعرفوا على ما يهمهم ويشغلهم، والمواقع التي يحبونها، وكيفية الاستفادة إيجابيا من هذه التكنولوجيا. حادثوهم حول معنى الخصوصية وأبعادها وحدودها، وعدم إشعارهم بأنهم مراقبون لأن هذا يؤدي إلى هز الثقة وقوة التواصل.

 

وضّحوا لهم مخاطر التواصل بالصوت والصورة مع أناس لا يعرفونهم، وحذروهم خاصة الفتيات من إرسال صور شخصية ومن الحديث على الخاص أو دخول مجموعات لا يعرفونها.

 

شجعوهم على نشر المفيد وليس ما يمكن أن يسيء لهم أو لعائلاتهم. وعندما ترون بعض السلوكيات مثل اهتمامهم بأن لا يتواجد أحد حولهم أثناء استخدامهم النت أو يغلقون الشاشة أو وجدتم بعض معلومات أو صور غير ملائمة، أو شعرتم بتغير في سلوكهم أو رغبتهم في الانعزال؛ هنا يجب أن يُضاء ضوء أحمر أمامكم فتجلسوا معهم جلسة صريحة لتروا سبب ذلك؛ وطبعًا قبل ذلك كله وبعده تربيتهم على أساس الدين والقيم وتقوية الوازع الديني والأخلاقي؛ وأن تكونوا قدوة لهم في هذا كله.. فمواقع التواصل “الاجتماعي” لا تتوفر فيها برامج حماية ومضادات كما هو للفيروسات، والحماية هي التقوى والتوعية بما هو مسموح نشره والتكلم عنه والخوض فيه، وما هو ممنوع وغير جائز محتكمين إلى الشرع، واتباع سبل الحماية لعدم اختراق الخصوصية التي أصبحت سلعة ثمينة ونادرة على نحو متزايد في عالمنا التكنولوجي المتسارع.

وفقنا الله وإياكم لإنارة الطريق أمام هذه الأجيال في ظل الفتن التي يعيشونها



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك