من خواطر مديرة مدرسة.. المعلم.. أعباء ورسالة

6 ديسمبر , 2018

إن المعلم المربي صاحب دور هام ورسالة سامية، وهو من أهم بناة الإنسان والأجيال، فله علينا حق، فهذه صورة عامة لما على المعلم في بلادنا من أعباء كثيرة تقع على عاتقه خاصة لمن يحمل الأمانة بحقها.

وحتى تكون الصورة صادقة وواقعية فإنني سأتحدث هنا عن يوميات “المعلمة” بشكل عام، وذلك بصفتي مديرة مدرسة إناث فيها معلمات وكنت معلمة أيضًا في مدارس إناث:

– الحضور قبل 7:45، ثم الطابور الصباحي بفعالياته، وإذا كانت “مناوبة” فإنها تقضي أوقات الاستراحة في الممرات والساحة وبين الطالبات.

– ما بين 4 إلى 6 حصص يوميًا منها أحيانًا 3 أو 4 متتابعة تقضيها ما بين شرح وطباشير وأقلام وكتب.. ولصفوف عددها ما بين 25-48 طالبة في الصف الواحد، مختلفين في المستوى والاجتهاد والقدرات والسلوك والميول والظروف. 

– يتخلل الدوام حصة وأحيانًا حصتان تسمى استراحة، لكنها تعمل بها ما بين تصحيح أو متابعة أو تحضير أنشطة أو عمل وسائل؛ وحتى في الاستراحة (الفسحة)، كم من مرة لا يتاح لعدد منهن حتى شرب الشاي أو الأكل خلالها بسبب مراجعة طالبات أو أهالي لهن خلالها.

– “تربية الصف” وما يتبعه من متابعة الطالبات أنفسهن، والحضور والغياب، والجداول، والشهادات، وغيرها من أمور.

– الخطط العلاجية، وتحليل المحتوى، والامتحانات الوزارية، والوطنية والعامة.

– النشاطات والاحتفالات، واللجان المختلفة التي تتطلب  جهدًا وعملًا إضافيًا.

– ما سبق يتم كله داخل المدرسة، فيما هناك جهدًا آخر للمعلمة قبل الحضور وبعد الانصراف للبيت، وما تحمله معها من “شغل” وواجبات.

وعلى صعيد آخر، ولأن المعلم يستحق كل خير، لي هنا بعض الهمسات القصيرة- لنفسي أولًا- ولهذا المعلم صاحب الرسالة السامية والدور الهام، والتي يجب أن تبقى كذلك رغم وضعه السيئ وظروفه الصعبة، فهي مهنة راقية سامية نبيلة فيها كل الكرامة التي تنبع من الداخل وليس لها علاقة بالوضع المادي للشخص.

بداية، هل ننظر للتعليم على أنه مجرد وظيفة ووسيلة للرزق أم أنه رسالة وأمانة ورعاية؟!

لأن الإجابة تحدد منهجنا وصفاتنا وأسلوب تعاملنا. وهل نحمل صفات المعلم الذي يستحق أن ينطبق عليه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنَّ اللهَ ومَلائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَواتِ والأرْضِ حَتَّى النَّمْلَةَ في حِجْرِهَا وَحَتَّى الحُوتَ لَيُصَلُّونَ على مُعَلِمِي النَّاسِ الخَيْرَ”.

لنرى بعضًا من تلك الصفات، وهل نتحلى بها أم لا؟

أولها هي تقوى الله والإخلاص له، فعلينا كمعلمين أن نتحرّى بعلمنا وتعليمنا وجه الله تعالى والدار الآخرة، وليس فقط الراتب والثناء من رؤسائنا والشهرة والترقية وما شابه.. فلا يقول أحدنا في نفسه أنه سيأخذ الراتب في نهاية الشهر سواء عمل جيدًا أو لم يعمل، فهذا والله مصيبة، فأين الإخلاص؟ وأين الله وتقواه؟

وعلينا بالصبر والحلم وطول البال، خاصة أن الطلاب لهم قدرات مختلفة وذوو أمزجة متباينة، وذوو حاجات ومصالح ومشاكل وهموم متنوعة، فلنكن لهم معلمين ومربّين وآباء.

ولا ننكر أن عددًا من طلابنا هذه الأيام “مشاغبون ومزعجون” لكن بعد تجربة، فإن معظم هؤلاء يعانون من مشاكل أسرية أو اجتماعية، فلنرفق بهم قدر الإمكان، بدون تسيّب أو فوضى لنحتويهم قدر الإمكان فهم يفتقرون للحنان والرعاية.

ولا ننسى إخوتي وأخواتي أن نكون صادقين موفين بالوعد، فإذا وعدنا طلابنا بوعد معين فلا بد أن نفي به أو نعتذر لهم إن لم نستطع، حتى نكون صادقين أمامهم، وبالتالي يكونوا هم كذلك فيما يطلب منهم أن يفعلوا أو فيما يطلب منهم أن يتركوا ونحو ذلك. وكذلك أن نكون متواضعين، وأحيانا نستفيد من طلابنا في بعض مسائل العلم، وأن نتراجع عن خطأ إن وقعنا فيه، ولا ضير في أن نقول لهم: “لا أدري”، و”الله أعلم” فيما خفي علينا ولم نعرفه، ( على أن لا يكون في تخصصنا وبشكل مستمر) فهذا يجعلنا كبيرين في نفوسهم، ويتعلَّمون منا التواضع، وعدم الجرأة على الفتوى بغير علم.

ومن أهم الأخطاء بل التجاوزات التي يقع بها بعضنا التمييز والتفريق بين الطلاب، إما حسب مكانة أهلهم أو حسبهم أو نسبهم أو مالهم.  فالعدل هنا مطلوب بل ضروري، فلا نتجاوز عن خطأ وفساد بعض الطلاب ممن أهلهم في موقع السلطة أو الغنى أو النفوذ، ونعطيهم حقا ليس لهم وعلى حساب غيرهم ممن يستحقونه.

وأخيرًا أعزائي لي وقفة خاصة فأقول:

إن المعلم المربّي الذي هو من ورثة الأنبياء لا تقف مهمّته ودوره عند حدّ ما يُقدّمه في الصف، بل دوره الأهم هو قوة تأثيره في طلابه ومجتمعه، ويتجلى ذلك في سلوكه وتصرفاته وعمله ومواقفه؛ في قول الحق والوقوف معه، في تصحيح الخطأ ما استطاع، فلا يقول ليس لي علاقة بالأمر أو ليس هذا من شأني، ولا يقف موقف المتفرج غير العامل حين رؤية التصرفات الخاطئة والأفكار المغلوطة التي لا تناسب ديننا وعقيدتنا، فالحسن والصحيح ما استحسنه الشرع، والقبيح ما استقبحه الشرع، وأعمالنا مقياسها الحلال والحرام وليس المنفعة والمصلحة والعيب.. فعلينا زرع قيم الإسلام وأخلاقه ومفاهيمه الصحيحة في نفوس طلابنا.

فإن من أهم الأدوار التي يقوم بها الْمُعلِّم هو بناء شخصيات طلابه، أولئك الذين ينظرون إليه على أنه مثلهم الأعلى ولهذا عليه أن يكون قدوة صالحة لطلابه، ولا عجب أن القدوة الصالحة تُعد من أنجح الوسائل المؤثّرة في تكوين شخصية المتعلّم؛ قدوة في جوهره ومظهره، في شخصيته وقوة تأثيره، في أخلاقه وأدبه.

التعليم بالقدوة أعظم تأثيرًا وأقوى حُجة من الكلام النظريّ المجرد.. فكيف لو كان قدوة غير جيدة، والفعل يُخالف القول، والسلوك يعاكس التوجيه؟!

على سبيل المثال المعلم الذي يتحدّث لطلابه عن أضرار التدخين، والسيجارة في يده! أو الذي يحثّ طلابه على الصدق والالتزام بالمواعيد وأهمية الوفاء بها، ثم يكذب أو يحضر إلى الصف متأخرًا، أو يعد بما لا ينفّذ، أو يسكت ويجبن وينافق في موقف يتطلب الجرأة في الحق! فإنه يمحو بتصرف واحد عشرات الأقوال التي يصبُّها في آذانهم، فالمعـلم ليس خازنًا للعلم يغترف منه التلاميذ المعارف والمعلومات، ولكنه نموذج وقدوة، فلنكن تلك القدوة الحسنة لنفوز بخيري الدنيا والآخرة.

وأختم كلامي بهذه الوصية التي قالها علي رضي الله عنه لكميل بن زياد النخعي الذي قال:

“أخذ علي بن أبي طالب بيدي فأخرجني إلى ناحية الجُبَّان، فلما أصحرنا – أي نزلنا إلى الصحراء – جلس ثم تنفس ثم قال يا كُميل بن زياد، القُلُوبُ أوعيةٌ؛ فَخَيْرُها أوْعاها، احْفَظْ ما أقولُ لَكَ، النَّاسُ ثلاثةٌ: فَعالِمٌ رَبَّانِيٌّ، ومُتَعَلِّمٌ عَلى سَبيلِ نَجَاةٍ، وهَمَجٌ رَعاعٌ، أتْباعُ كلِّ ناعِقٍ، يَميلونَ مَع كُلِّ رِيحٍ، لَم يَسْتَضِيئوا بِنُور العَلمِ ولم يَلجَأوا إلى رُكنٍ وَثِـيقٍ. العِلمُ خَيرٌ من المالِ، العِلْمُ يَحْرُسُكَ وأنْتَ تَحرُسُ المالَ، العلمُ يَزُكو على العَمَلِ، والمال تَنْقُصُهُ النَّفَقَةُ، العلمُ حَاكِمٌ، والمال مَحكُومُ عَلَيْه، وصَنيعَةُ المالِ تَزُولُ بِزَوَالِهِ، ومَحَبَّةُ العالم دِيْنٌ يُدانُ بها. مَاتَ خُزَّانُ الأَموالِ وَهمُ أَحْيَاءٌ، والعلماءُ بَاقُونَ مَا بَقِي الدَّهْرُ، أَعْيَانهم مَفْقُودَةٌ، وَأَمْثَالُهُم في القُلُوبِ مَوجُودَةٌ”.

رزقنا الله وإياكم الإخلاص في القول والعمل وجعلنا حقا من ورثة الأنبياء.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك