من ذكريات الطفولة… لم أتمنى ما يتمناه الأطفال

7 يونيو , 2018

ذكريات الطفولة لا يزول عبقها من قلبي؛ فهي الماء الذي يروي ظمأ حماسي ونبتة إرادتي؛  ليمنحني الدفع والتشجيع كلما كادت الهمة أن تذبل.

 

أشعر أحيانًا أنني كالسهم الذي لابد وأن يعود إلى الخلف قليلًا لتكون انطلاقته أقوى وأكثر تركيزًا على الهدف؛ أتذكر كل لحظة في طفولتي التي اجتمعت فيها الكثير من البراءة والعفوية؛ والشقاوة “الشيطنة” والذكاء وحب الاكتشاف؛ والتميز؛ والقدرة على القيادة؛ والعناد والإصرار؛ والفقر؛ والحزن والألم.

 

أما البراءة والعفوية؛ فكنت لا أبالي كيفما فهم المحيط بي مقصدي؛ كنت أفعل أي شيء بعفوية وبساطة “ابنة الريف” كي أحظى برضا من معي؛ من أجل السماح لي بإكمال تعليمي.

 

كنت ارتدي أي شيء فلا تبهرني الألوان والنقود والأكلات الطيبة كغيري من الأطفال؛ حتى أنني كنت أصنع الدقة (أكلة شعبية عبارة عن قضامه وفليفلة ونعناع يابس وحمض الليمون وملح ) وأبيعها في المدرسة وأحضر ثمنها لأمي؛ ولا يزعجني إذا خبأّت تجليد دفاتري للعام القادم لأجلّد بها مرة ثانية؛ المهم أن أكون متفوقة.

 

كنت امتلك دقة الملاحظة والذكاء الفطري الذي يجعل من شقاوتي طفلة ذكية تحب أن تعرف كل شيء وتكتشف كل شيء.

 

حصلت دائمًا على المرتبة الأولى على صفي بدءًا من الصف الأول وحتى الثالث الثانوي؛ هذا ما جعل معلماتي يحببنني ويوكلن إلي مهمة “عريفة الصف” التي تعتني بالطالبات وتحافظ على نظافة الصف وتساعد المتأخرات قليلاً في دراستهن؛ وتخبئ الطباشير للمعلمة لكي لا تضيع منه أي قطعة؛ منذ ذلك الوقت غرست في نفسي ملايين الأفكار؛ وأهمها أنني سأكون دائمًا محل ثقة وأن أحسن العمل كي لا تتزعزع هذه الثقة.

 

كان والدي -رحمه الله- يفرض علينا النوم والقيلولة ساعت الظهيرة؛ ولكنني كنت أغافله بعد أن أطمئن أنه نام هو وأخوتي الصغار؛ وأتسلل على رؤوس أصابعي لألعب تحت شجيرات السرو أمام منزلنا في لبنان- البترون-؛ وأكتب الكلمات على التراب ثم أمحو ما كتبت وأرسم ذلك البيت بأصابعي على التراب؛ البيت الذي يرسمه الأطفال ومن حوله الأزهار والأنهار والجبال.

 

في الصف السابع عرفت معنى الشعور بالألم؛ حين تفوقت على زميلاتي إلا أن إحداهن كان لديها قريب “مسؤول كبير” في الدولة؛ وحدث أن أضافت المعلمات علامتين على درجاتها في الرسم والرياضة؛ وبذلك تقدمت علي لتصبح الأولى.

 

بكيت كثيرًا وتحسرت على فقري وقلة حيلتي؛ فوالدي يعمل بــ “مزرعة للدجاج” وأنا لا واسطة لدي لأحصل على حقي؛ كنت أسير على قدمي الصغيرتين مسافة تتراوح ما بين 7 إلى 8 كم؛  أقطع وديانًا وجبالًا وحقيبتي على ظهري لأصل إلى المدرسة في جبال “تل منين” ريف دمشق كنت أشعر أنني استمد إصرارًا إلهيًا؛ وأخاطب ربي أثناء سيري ونظري إلى زرقة السماء الشديدة الصفاء؛ كنت أقول:( يا الله امنحني المرتبة الأولى على صفي؛ و أعطني كل ما أتمنى).

 

لم تكن أمنياتي قطعة حلوى أو حذاء جديد أو سيارة ألعب بها؛ فهذه الأمنيات بعيدة عني كبعد هذه السماء؛ أقصى مناي أن أحصل على العلامة التامة في كل المواد؛ وأن أدخل السرور على قلب عائلتي التي تعمل ليلًا نهارًا لتأمين متطلبات التعليم لي؛ وكما يقول أبي: “يبّست مخي ولن أترك مدرستي”.

 

لا يمكنني أن أنسى أبدًا الأستاذ عوض الزيدان – رحمه الله –  الذي وقف إلى جانبي في المرحلة الإعدادية وكان سببًا في إكمال تعليمي ووصولي إلى المرحلة الثانوية؛ علمني الأستاذ عوض اللغة العربية في الصف الثامن والتاسع؛ وفي ذلك الحين تم إصدار قرار منع الحجاب في المدارس ووالدي رحمه الله رفض أن أنزع حجابي؛ فنحن مسلمون ولا يمكننا التخلي عن تعاليم ديننا الحنيف؛ حجزني والدي بغرفة وأغلق علي الباب؛ ومنعني من الذهاب إلى المدرسة خوفًا من أن تصبح “سيرتنا على كل لسان” في القرية؛ كما قال حينها.

 

هربت من البيت في الساعة السادسة صباحًا قبل بزوغ الشمس وذهبت الى المدرسة؛ وأخبرت الأستاذ وأنا أبكي بأنني سأصنع سيدارة الفتوة- طاقية عسكرية كنا نضعها على رأسنا في حصة التدريب العسكري وهي “حصة مقدسة” كانت بالمدارس من الصف العاشر إلى الثالث الثانوي-  على شكل “إيشارب”- غطاء الرأس؛ وتوسلت إليه أن يسمح لي بحضور الدروس وإذا جاء “التفتيش” إلى المدرسة أختبئ تحت النافذة حتى يذهبوا.

 

ابتسم الأستاذ عوض؛ وقد فهمت رغم صغر سني معنى ابتسامته؛ فهمت معنى القهر والظلم والصبر والشفقة علي؛ ثم قال: “لكِ ما تطلبين؛ وأقسم أني لن أسمح لأحدٍ بإيذائك”؛ وفعلتها وحصلت على الشهادة الإعدادية بتفوق عظيم على طلاب قريتي؛ فقد كنت مع زميلتين لي فقط في شعبة كلها ذكور؛ ثم كنت الفتاة الوحيدة التي أكملت في المرحلة الثانوية ومن ثم الجامعة؛ وبعدها بدأت فتيات القرية يتشجعن ويكملن تعليمهن الجامعي بعدي.

 

لن أنسى ما حييت فضل أستاذي رحمه الله؛ ومساعدته لي لإكمال مشواري الدراسي؛ جعله الله في ميزان حسناته وجزاه عني كل خير.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات 7 تعليقات

فخوره بك انسه احلام ..رغم معرفتي بك القليله ..ولكن الفخر انني وانت من نفس البلد ..

أحمد البكور منذ 5 شهور

لنا كل الفخر بالتعرف عليكي آنسة احلام
انتي مثال عن المرأة الناجحة المتفوقة التي يبنى بها المجتمع
جزاكي الله خيرا وساعدك لتكملين مابدأتي به

رحاب غريب منذ 5 شهور

أعجبت بك من اول لقاء وأصررت على ان تكوني بفريق العمل في مركز تأهيل المرأة بل ان تكوني المشرفة على الفريق ومازلت معجبة بكل مسيرتك وخاصة الان بعد قراءة هذا المقال الرائع ، تحتي لك

أحمد عزيز نجار منذ 5 شهور

والله يا أنستي إني قد بكين حين قرأت قصتك .
لا أدري لما.
قد يكون كفاحك قد أثر في صميم قلبي

ماهر الريمي منذ 5 شهور

انسة احلام عرفتك منذ بضع سنوات
ولكني اقرأ الآن عن طفولتك وكأني اراها في حاضرك
بارك الله فيك وجزاك الله خيرا

عبدالله الشحود منذ 5 شهور

الاستاذة أحلام رشيد ام فاضلة ومعلمة متفانية وقدوة حسنة
لك مني كل الود حفظك الله

احلام الرشيد منذ 5 شهور

شبكة زدني الراقية
زادكم الله من نعيمه وجزاكم الله خيرا

أضف تعليقك