نحن الأمل.. شعار يتجلَّى في هذا الفوز

2 مارس , 2019

أتذكر لهفتي الطفولية حين كان يصحبني والدي معه إلى صفه، أبي الذي عمل معلمًا لطلبة الصف السادس في الجزائر لسنوات طويلة، كنت أتابع حبه لعمله وأرقب بمتعة دفاتر الطلاب مُلاحظِةً حبه الكبير لهم، وكذلك هم كانوا يكنون له التقدير والود.

حلمت دائمًا أن أكون مثل والدي، أبني تلك العلاقة الوطيدة مع من حولي، عدنا إلى غزة وأكملتُ دراستي الثانوية، والتحقت بجامعة الأزهر، وتخرجت في كلية العلوم من قسم رياضيات/حاسوب ثم أكملت دراسة العلوم التربوية في جامعة القدس المفتوحة؛ وفي عام 2004 التحقت بوزارة التربية والتعليم معلمة لمبحث الرياضيات.

منذ بداية عملي وأنا أقتنع تمامًا بأنه من حق الطالب أن يتعلم وفق قدراته وخبراته وسرعته في اكتساب المعرفة، وليس وفق ما يحدده المعلم، مؤمنةً بأن مواكبة كل ما هو جديد حق من حقوق الطالب؛ ليشعر أنه فرد من عالم أكبر من مدرسته ومدينته.

ترجمتُ هذه الرؤى إلى أساليب فعالة في تعليم مادة الرياضيات، لا سيما أننا نلمس بوضوح اتجاهات سلبية من طلابنا نحوها؛ فبدأتُ باتخاذ المنحى الإيجابي بالابتعاد عن التلقين والسبورة والطباشير واتجهت إلى التكنولوجيا تارة وإلى تلعيب التعليم تارة أخرى.

توظيف التكنولوجيا لم يكن أمرًا سهلًا في قطاع محاصر منذ أكثر من 12 عامًا ويعاني أزمة خانقة في الكهرباء التي كانت عائقًا أساسًا في توظيف التكنولوجيا، ومن هنا كان لا بد من أن أجدَ حلًّا مبتكرًا لهذه المشكلة، فبدأت بتصميم مواقع إلكترونية منفذة استراتيجية الرحلات المعرفية Webquest وربط هذه المواقع مع مجموعات التواصل الاجتماعي لأبقى على تواصل مع طالباتي خارج ساعات الدوام المدرسي الذي نادرًا ما نتمتع فيه بوجود الكهرباء.

تفاعل كبير حقَّقَتْه هذه المواقع من تواصل مع المادة والتفاعل مع الفيديوهات الإثرائية التي أدرجها عبر المواقع، حتى الطالبة الخجولة في الغرفة الصفية أصبحت أكثر نشاطًا وانعكس نشاطها على أدائها في الصف.

في المرحلة الثانوية عادة ما تولد لحظات جميلة من التخطيط للمستقبل، ولكن الحصار المفروض على غزة هل يسمح للطالبات بتحديد ملامح المستقبل! إن أكثرهن لا يعلمن ما يدور خارج القطاع، ومن هنا قررت أن تعمل المواقع التي صممتها على أنها شبكة اتصال بين طالباتي وبين طالبات أخريات من خارج القطاع، ونجحنا.

استضفت العديد من الأساتذة من فلسطين وخارجها ووظفت العديد من المفاصل في تعليم الرياضيات من مناهج مختلفة؛ لتصبح طالباتي جزءًا من عالم أكبر على الرغم من محاولات الاحتلال طمس معالم التطور في التعليم من خلال استهداف المدارس وعرقلة وصول الطلاب إلى مدارسهم.

العام الماضي تم اختياري أفضل معلمة في فلسطين، وهذا العام وقع علي الاختيار من مؤسسة Varkey من بين أفضل خمسين معلم في العالم، اختيار أفخر به لكوني معلمة فلسطينية استطاعت على الرغم من الحروب المتلاحقة على غزة والحصار المطبق أن تجعل من طالباتها عناصر فاعلة في المجتمع.

طالباتي اللواتي يشعرن بأن التعليم لا يقف عند تحصيل العلامات فقط ولا مقدار المعرفة بل أصبحن يؤمنَّ بأن التعليم يعني المهارات وتطوير الميول والاتجاهات وتقبل الفكر الآخر.

نحن الأمل اسم الفريق الذي نعمل أنا وطالباتي من خلاله، فريق يهتم بالأطفال في المرحلة الابتدائية، ونسعى لعقد فعاليات ترفيهية بين الحين والآخر تضفي جوًّا من البهجة والفرح على أطفال عاشوا ويلات حروب ثلاثة، هناك الكثير من الأطفال فقدوا واحدًا أو أكثر من أفراد عائلتهم؛ تألمت من أجلهم لأني أقطن في منطقة شرق غزة التي شهِدت على نكبة حقيقية خلال الحروب المتعاقبة مما أثر سلبا على الحالة النفسية للأطفال وتحصيلهم الدراسي.

نحن الأمل هو انتقال للإيجابية من طالبات تغيَّر مفهوم التعليم لديهن واستطعن أن يتخطين الحصار المفروض على غزة إلى أطفال يعانون العديد من المشاكل ومنهم من يرفض التوجه إلى المدرسة.

من حق كل طفل أن يكون له معلم يراعي قدراته، وينمي ميوله ويعززها، ومن حقه أن ينخرط في هذا العالم ويطلع على إنجازات الآخرين. من حق الجميع أن ينعم بالسلام.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات تعليق واحد

Aala Salah Shabet منذ 6 أشهر

ليست أستاذتي فقط بل هي من شكّل نقلة نوعية في حياتي حيث نقلتني من عالم اليأس والملل الى عالم مليء بالأمل والحيوية حيث أتخذها قدوة جيدة في حياتي اكتشفت من خلالها ميزات كثيرة في شخصيتي وأبرزتها لمن حولي أفخر كثيرا أنني احدى طالباتها وانني احد أعضاء فريق نحن الأمل الذي من خلاله تم رسم الكثير من الابتسامات والضحكات على وجوه الأطفال دمتى بود غاليتي

أضف تعليقك