وأخيرًا… تعلمت الدرس

11 أبريل , 2016

خواطر-معلم

بدأت تجربتي كمعلمة لغة انجليزية فور حصولي على شهادة الشامل، في إحدى مدارس عمّان الخاصة، كانت مدرسة صغيرة في حي شعبي قابلوني في الصيف ووقعت عقدي معهم في بداية العام الدراسي براتب لا يتجاوز ال ١٤٠ دينار شهريًا طبعًا كان هذا الرقم لا يطابق الرقم المدوّن في العقد لكن لم اهتم بذلك كوني خرّيجة وأريد فقط الخبرة.

الصدمة الأولى

بدأ الدوام بشكل فعليّ، خطوت إلى عملي بخطى واثقة باحثة عن نفسي بعد أعوام من الدراسة، فما أن وجدت نفسي إلا بين العشرات من المعلمات أغلبهن حديثات التخرج، وأكثرهن يكبرونني بالسن وقد تعددت سنوات خبرتهم.

ومديرة ستينية معالم وجهها مخيفة عندما كانت تناديني ارتجف من الخوف كالأطفال فأدخل عليها غرفة الإدارة وهي تجمع المعلمات وبعض الطلاب حولها والسيجارة في يدها!

لم تعطني فرصة لأثبت نفسي بين طلابي وأبذل جهدي معهم وأطبّق ما درسته على مقاعد الدراسة في كلّيتي، علمًا بأني في البداية قمت بعمل امتحان مستوى لهم، لكي اعرف مستوياتهم لاستطيع التعامل معهم فاكتشفت الكثير من الضعف في اللغة عندهم والكثير منهم لا يستطيع كتابة الأحرف وتمييزها، فقد تبيّن لي بأن من الثلاث شعب التي كنت ادرسها لا يتجاوز عدد الطلاب الذين يتقنون القراءة والكتابة بالشكل المطلوب إلا حوالي ١٥ طالب من أصل ٥٠ طالب! ومع ذلك كانت تطلب منّي بالتكلّم معهم داخل الصف باللغة الانجليزية دون توضيح ما أقول لهم باللغة العربية وزادت الأمر تعقيدًا معتقدة بأن طلابها في مدرسة إنترناشونال والإنجليزية هي لغتهم الأم!

كنت قد وضعت خطّة في عقلي بدايةً كيف أتعامل مع طلابي كونهم أطفال، وكيف أدخل محبتي في قلوبهم فأحضرت الهدايا من مصروفي الخاص، وبدأت بتحفيزهم لكي نبدأ مشوار الدراسة مع العلم بأن المنهج في اللغة الانجليزية الذي سوف يدرسوه لم يكن بمنهج هيّن كما أعتقدت!

فما أن بدأت رحلتي معهم حتى شرعت تلك العجوز بتلقيني ماذا أفعل وأقول، فكانت تقتحم علينا الصف وتبدأ بإعطاء الأوامر وتتشكك في إملائي وطريقة شرحي وهي لا تفقه شيء في اللغة الانجليزية، وكانت تصرخ في وجهي أمام الطلبة، فعلت ذلك مرارًا وتكرارًا حتى فقدت السيطرة على الطلاب وفقدت الاحترام، وبدأ الأطفال بالتطاول علي وتهديدي بالمديرة حتى اتهمّني كثير من الطلاب بضربهم وشتمهم، وفي كل فترة كانت تناديني لتوقيعي على إنذار خطيّ في ذنب لم اقترفه فذلك كانت نتيجة توجيهها للطلبة بأن المعلمة هي من تحترم الطلبة وليس العكس.

مرّت الأيام وبدأت الاختبارات الشهرية فكانت في كل امتحان بعد انتهائي من تصحيح أوراق الطلبة تأخذ الأوراق لتتلاعب بالعلامات وعندما كنت أُناقشها في بعض علامات الطلبة تصرخ في وجهي وتجعل من تقصير كل طالب بسبب ظروف في بيته وعائلته أو مشاكل نفسيه قد مر بها، حاولت أن أشرح لها بأنّ الله مطّلع على ذلك وأن كل طالب يجب أن يأخذ حقه بلا غش لكن بلا فائدة.

وفي يوم من الأيام تدهورت حالتي الصحية ولم أقوى على الوقوف في الطابور الصباحي، بعد انتهائه صعدت تلك العجوز الدرجات سريعًا آتية إلي كانت أمي معي على الهاتف تطمئن علي وقفت بجانبي حتى أنهيت المكالمة، قائلة:

” هي فش فيكي أشي بتقومي بتعطي حصصك “

قلت لها: ” بس أنا علي كتير حرارة وتعبانة مش قادرة أوقف “.

خرجت من الغرفة من دون أن تتفوّه بكلمة وكأن أمرها منزل من السماء، دخلت إلى الصف لكي أعطي الحصة ولم استطع الوقوف ولا الكلام مع الطلاب خرجت من الصف واتصلت بأخي لكي يأتي إلى المدرسة ويأخذني إلى البيت.

بعد حوالي نصف ساعة تطلبني الإدارة، فوجدت أخي يجلس أمام المدير الذي وجوده في المدرسة كعدمه كما كانت تقول إحدى المعلمات “جاي يلم فلوس من الطلاب” وقفت المديرة أمام أخي ورفضت أن اغادر المدرسة وهي تقول “لا هي لو مريضة كان ما بتقدر توقف ع رجليها خليها تخلص حصصها بعدين تتسهّل”، والمدير يقول بسخرية لأخي ” طيب مادام اختك مريضة ع أي أساس بتعطونا ورقة خلو أمراض”، وكأنني كنت أعرف أن بذلك اليوم سوف أصاب بانفلونزا شديدة.

أخيرًا استطاع بأن يقنعهم بعد أن طلبت هويته الشخصية متشككة في أمره، يومها ذهبت إلى الطوارئ وبعد معاينتي أخبرني الطبيب بأنني أعاني من إلتهاب شديد في القصبات الهوائية وإلتهابات حادة في الحنجرة بسبب الطباشير الذي كنت استخدمه في المدرسة فنصحني بأن أترك العمل عندهم محافظةً على صحتي.

طلبت إجازة مرضيّة حتى استعيد صحتي فتغيّبت يومين عن الدوام وبعدها ذهبت إلى الدوام طلبت مني تقريرًا طبيًّا كان قد كتبه لي دكتور الطوارئ، فقالت لي ” لا ما بزبط هاد بتروحي ع دكتور اسمو كزا وعيادته في المكان الفلاني بتتعالجي عنده وبتاخدي تقرير هو اللي منعتمده عنا”، قلت لها باستغراب “طيب ليش مش هاد تقرير طبّي “قالت لي” أنتي حرة بتروحي ع الدكتور اللي قلتلك عنه وهو بشوف تقريرك مشان ما نخصنم عليكي من راتب الشهر”، علمًا بأنها تخصم من الراتب يوم الغياب بيومين!

في صباح اليوم التالي أخذني والدي إلى الطبيب التي أخبرتني عنه فنظر إلى التقرير بإزدراء وقال لي “كل التقرير الطبي مش مقنع أنتي كذابة غيابك مش مبرره المرض كل الأعراض المكتوبة مش مطابقة لبعضها “، طبعًا لم يقبل بتوقيع التقرير وعندما خرجت لم استطع إخبار والدي بما قاله الطبيب، ولكنّي علمت من بعض المعلمات بأن ذلك الطبيب هو تابع لمدرستهم ويتقاسمون الربح وأنّ المعلمات يجب أن يراجعوه في حالة مرضهم لكي يعطيهم تقريرًا طبيًّا مختومًا بختم المدرسة! لقد سلّمت أمري لله حينها وقلت “إن شا الله تشوفها بصحتها”.

لاحقًا أخبرت المديرة بما نصحني به الطبيب وأعطتني ورقة لأوقّع على استقالتي قائلة “أصلًا أنا مش عاجبني شغلك وكنت بدي أوقعك على استقالتك وهيها أجت منك”، لم أبالي بما قالت فقد مللت من سوء معاملتها وأخلاقها وتدخلاتها في خصوصياتنا واقتحامها غرفة المعلمات علينا في وقت استراحتنا بعد أن اكتشفنا مؤخرًا بأنها تضع كاميرا مراقبة أمام باب غرفة المعلمات وتأمرنا بعدم إغلاق الباب لكي تتمكن من مراقبتنا.

فاض الكيل

لقد اقتربت نهاية الفصل الدراسي الأول، في يوم من الأيام أتت إلي وأمرتني بأخذ كتب الطلبة الذين كان غيابهم أكثر من حضورهم والطلبة الضعفاء دراسيًا وأحلّ لهم كل التمرينات التي لم يستطيعوا حلّها وأصححها لهم في نهاية الدوام حملت في أكياس ما يقارب الـ٤٠ كتاب وخرجت من المدرسة لم أسيطر على نفسي وانا ماشية على قدماي والمطر غزيرًا يطقطق فوق رأسي باحثة عن تاكسي حتى جهشت في البكاء من ثقل الكتب التي أحملها.

غضب كثيرًا أبي من ذلك كما يقولون لقد طفح الكيل، فمنعني في اليوم التالي من الذهاب إلى المدرسة، وفي المساء اتصل المدير راجيًا أبي بأن يسمح لي بإكمال الدوام فلم يتبقى شيء من الفصل بعد أن هدده والدي بأنه سيشتكي لوزارة العمل عن مدرستهم.

مرّت الأيام والحمدلله انتهى الفصل وتخلصت من مدرستهم بعد أن مللت من التعليم في بداية مشواري، من سوء معاملتهم وظلمهم وأكلهم لحقّي قررت أن أجلس في البيت وأساعد أمي في أعمال المنزل أفضل من ضياع وقتي وجهدي في مدارس لا تقدر قيمة المعلمة وتحرمها حقوقها، بعد مرور سنة تقريبًا في أواخر عام ٢٠١٢ بدأ الكل يأنبني على جلوسي في البيت بلا فائدة.

ضربة ثانية

أخيرًا قررت أن أبحثُ عن عمل من جديد حتى وجدت عملًا في إحدى رياض الأطفال القريبة من بيتنا، بدأت أتناسى ما حصل معي في أولى تجاربي فذهبت إلى الروضة في أول أيام العام الدراسي، كانت المديرة ومساعدتها تبديان لطيفات أو ربّما معالم وجههم تخفي ما في قلوبهم، المهم أني شعرت وكأن الله عوضني عمّا عانيته مسبقًا كنت أعمل نهارًا، وعند عودتي إلى المنزل أيضًا أعمل لصالح الروضة، وكنت أخرج في جولات الباص صباحًا ومساءً كانت تتجاوز ساعات عملي الـ٨ ساعات، لم أهتم لذلك أيضًا.

لكن لم أتخيّل أن بعد مرور أسبوعين سوف تنقلب الأمور وتبدأ تلك المديرة بالكشف عن أنيابها فلم تكتفي الروضة بمديرة واحدة بل كانو ثلاث إحداهن شقيقة صاحب الروضة كانت كل واحدة تعطي الأوامر بطريقة استفزازية لم يكن ذلك يزعجني أكثر مما ضايقني طريقة تصنعهم مع الأطفال أمام أهلهم وإظهار الحب والحنان لهم وخلال الدوام يعاملوا الأطفال بوحشية من صراخ وضرب وإهانة وعدا عن نهب الأموال من الأهل كل يوم في كذبة مختلفة وسرقة طعامهم وشرابهم من قبل مساعدة المديرة وعندما شعروا بأننّي أعلم كل شيء عنهم اقتحمت المديرة ومساعدتها غرفة الصف الذي كنت أدرّسه وبدأت تفتّش في كتب الطلبة وطرح أسئلة صعبة باللغة الإنجليزية لأطفال لا تتجاوز أعمارهم الأربع سنوات أخافهم أسلوبهم حتى وجدتهم يبكون!

لن أتحمّل ذلك فصرخت عليهم ليتركوا طلابي وشأنهم، فأدركت حينها أنهم جاءوا باحثين عن أخطاء قد تكون لهم حُجّة لأسكت عن أفعالهم.

وقفت أمامي المديرة قائلة ” أول اشي في طفل اليوم طلع من الروضة وهرب برا وأنتي ملتهية عنهم”، علمًا بأن هي من كانت مسؤولة عن ذلك فالروضة مراقبة بالكاميرات والشاشة أمامها في الإدارة لكن كالعادة هي لم تتواجد في مكانها والمعلمات كلّهم شهدوا بأنني لا أعلم بتلك القصة وتم إثبات برائتي الحمدلله بأنني لم أكُن موجودة حينها، ومن ثم قالت لي “طيب أنا بدي الطلاب يكونوا perfect بالإنجليزي خصوصًا بالمحادثة وأنتي مقصرة معاهم”، طبعًا بتلك الكلمات شعرت وكأن لا فائدة من جهدي وعملي معهم.

لم استطع أن أسكت عن ذلك فالساكت عن الحق شيطان أخرس ولم أحتمل ظلم للأطفال والمعلمات بعد مرور شهرين قضيتهم في الروضة تركت العمل عندهم وهددتهم بأن كل شيء كانوا يفعلوه كنت على دراية به لن أبالي بهم ولا بالعمل عندهم فما أحزنني فقط الطلاب الذي اعتادوا علي وأحبوني.

تعلمت الدرس

بعد التجارب الصعبة التي مررت بها أنار الله بصيرتي وأصبحتُ أميز الخبيث من الطيب، وفي أواخر عام ٢٠١٤ وجدت عملًا في روضة أطفال تبعد مسافة قصيرة عن منزلي، الحمدلل ه كان مكانًا مناسبًا وعالمًا وجدت فيه الراحة والطمأنينة، فوقفت على قدماي من جديد وأثبت نفسي من بداية العام وكسبت حبّ الأطفال وأهلهم وانجزت الكثير، الحمد لله كانت تجربة رائعة أضافت إلى شخصيتي الكثير ودفعتني إلى الأمام.

في الختام أقدَم نصيحتي للأهل أولادكم وأموالكم أغلى ما تملكون ضعوهم في المكان المناسب، ليست كل مدرسة خاصة تحمل معنى المدرسة التي يجد فيها أطفالكم الأمان والحب والأمانة.

معلمة من الأردن



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك