سلسلة مذكراتُ معلمةٍ وتأملاتها – رحلة البحث عن وظيفة

18 أكتوبر , 2017

يتخرج الواحد منا في الجامعة بعد أربع سنوات أو أكثر والدنيا لا تكاد تسع فَرحتَه، ويرتفع صرحُ المشاريع والمخططاتِ التي أنشأها لنفسه، وتنبسطُ الآمال العِراضُ كلُّها زاهيةَ الألوان أمام عينَيْه، ثم لا يلبثُ الواقع أن يصفَعَهُ بل يلكُمَه بالحقيقة، وتضيقُ الدنيا عليه حتى تكاد تخنقه، وتنهدُّ المخططاتُ فوق رأسه، وتبهتُ ألوان الحياة حتى تستحيلَ إلى طبقاتِ اكتئابٍ بعضها فوق بعض!

لماذا؟! لأن الحقيقة المُرَّة مَثُلَتْ بين يديه!

لا وظائف ها هنا، لا فُرصَ عملٍ مناسبةً، وإنْ وجدتَ شيئًا فأَهْلُ الوساطات يسبقونك إليه، أو يكون عملًا بعيدًا يُستهلك راتبَه في المواصلات إليه، أو يكون براتبٍ وشروط عمل أقلَّ بكثير مما ينفع الآدميَّ الحُرَّ، أو إنْ رضيتَ به خَرَجَتْ لكَ إدارةٌ ظالمة أو زملاء متسلقون متملقون لها على ظهرك؛ فتأخذكَ عزَّةٌ وكرامة إلى الخارج من جديد!

وبما أنني هنا أتحدث عن مذكراتٍ وتأملات فَلْأَتحدَّث قليلًا عن تجاربَ مرَّتْ بي، وأظنها مرَّت بالكثيرين.

 

كثيرًا ما كنتُ أضحك حين أملأُ طلبات التقديم للمدارس الخاصة في سنواتي الأولى بعد التخرج؛ لأن نصف الطلب أو أكثره كان يبقى فارغًا! وأعني بهذا النصف تلك الخانات المتعلقة بالخبرات السابقة والتدريب الذي تلقَّيتَه والدَّورات المؤهِّلة!

   يا عالم يا ناس إني خِرِّيجة جديدة ليس عندي من هذا شيء!

 

طبعًا هنا قبل أن أُكمل ستقولون لي: ولِمَ لَمْ تأخذي بعض الدورات ذات الصلة بعملك أو تتلقَّيْ تدريبًا ما، ولو بدون مقابل في إحدى المدارس.. طوِّري نفسك!

نعم، أُقِرُّ وأُوافق أنَّ هذا ما كان ينبغي أن يكون، ولكنه حينها لم يكُنْ! بل أنا اليومَ أُشجِّع طالباتي جدًّا أن يملأْنَ حياتهنَّ – ولأجلهنَّ شخصيًّا – ثم لأجل مِلْء سيرتهنَّ الذاتية بكل ما يمكن أن تصل له إمكاناتهنَّ من دوراتٍ وبرامج تدريبية وأعمالٍ تطوعية، ابتداءً من مرحلة الجامعة حتى قبل التخرج!

أما أنا والمئات من الخرِّيجين في تلك الفترة الزمنية -خاصة من البنات- فلم يكن شيءٌ من ذلك ممكنًا لنا لا قبل التخرج ولا بعده، و لكلٍّ مِنَّا أسبابه وظروفه المادية والأُسْريَّة والنفسية والاجتماعية و…

صدِّقوا -أو مثلي- لا تُصدِّقوا أن الأيام دارتْ دورتها بطولها وليلها وصيفها وشتائها، وانقضتْ ثلاث سنواتٍ عجافٍ كاملة دون أحصل على عملٍ فيها قَط!!

كان المُصاب عظيمًا، خاصةً لمثلي، فقد كان لديَّ يومَ تخرَّجتُ حماسةٌ كبيرة وطاقةٌ وحيويةٌ، والأهم أفكارٌ واقتراحاتٌ تخدم التدريس والطلبة، لدرجة أني كنتُ أسجِّل أفكاري أحيانًا في دفاتر يومياتي الخاصة تحت عنوان (عندما أُصبح معلِّمة سأفعل كذا)!

شعرتُ بشلل العجز، وتهاوي سقف الطموح، وتوقف كل شيء!  كنتُ بيديَّ أدفن أفكاري وأحلامي!

 

 ثلاث سنواتٍ كاملة من المكوث في مقاعد الانتظار!! حتى أني أتذكرُ مرَّةً أني قلتُ لأخي: “بقي لي سنة وآخذ بكالوريوس في القعود بالبيت”!  كانت سخريةً تَنْزِفُ ألَمًا!!

  

الله وحده يعلم كم نهرَ دموعٍ جرى من عينَيَّ! وكانتْ وِسادتي، وزاوية نافذة غرفتي، ومرآة الحمَّام، هم الشهود!!

إحدى المدارس التي قدَّمتُ إليها كُتبَ في طلب التقديم الخاص بها سطرٌ عجيب مُمْعنٌ في وقاحة الواسطات، يقول: (اسم الشخص المبعوث من طرفه: …………)!!

أتذكر في إحدى المرَّات بعد سنواتٍ مريرةٍ من البطالة والاكتئاب، ذهبتُ لإحدى المدارس العريقة وكنتُ أحلم بالعمل فيها طويلًا، لدرجة أني كنتُ أقدِّم لها كل عام علَّ وعسى، ومع ذلك لم يتصلوا بي ولا مرَّة لطلب مقابلة حتى!

قدَّمتُ لديهم من جديد ومن شدَّة حنقي كتبتُ في خانة الوظيفة المطلوبة: (أيُّ شيء، المهم أن أشتغل معكم)! وسلَّمتُ الطلب للموظفة المسؤولة، التي كانتْ تصنِّف الطلبات حسب المكتوب في خانة الوظيفة، فمثلًا طلبات معلِّمي الرياضيات معًا، وطلبات معلِّمي الجغرافيا معًا وهكذا، ولمَّا قرأَتْ ما كتبتُه ضحكتْ بشدَّة، ثم تداركتْ، وحاولتْ كَتْم ضحكتها بالحَوْقلة رأفةً بحالي، بينما كانتْ الدموع على وشكِ الخروج من عينيَّ أنا!

تمالكتُ نفسي وخرجْتُ.. وصوتها يلاحقني: ” توكلي على الله، بإذن الله بتشتغلي سواء عندنا أو أيّ مكان” هزَزْتُ رأسي وأنا أُغادر قبل أن تفلتَ الدموع، بينما أكاد أُقسم في داخلي أني لن أعود إلى هنا أبدًا!  كان حبُّ العمل في هذي المدرسة قد خرج من قلبي! وعلى كلِّ حال هم كَفوني الأمر ومارسوا عادتَهم ولم يتَّصلوا أصلاً..!

 في مدرسةٍ ما: قالتْ لي الموظفة المسؤولة: “لا يوجد لدينا شواغر في تخصصك، ولن يكون! لأن معلمات هذا التخصص معنا من أكثر من عشر سنين، لا هنَّ سيتركوننا ولا نحن سنتخلى عنهنَّ”!! صريحةً كانتْ، لكنها اختصرتْ عليَّ.

 إحدى المدارس العريقة بعد تقديم الطلب اتصلتْ بي لا لطلب مقابلة بل لتعلن عن موعد امتحانٍ لي في تخصصي! وكأنَّ الجامعة التي درَّستني أربع سنوات، وشهدتْ لي بالتخرج بتقدير “جيِّدٍ جدًّا” كاذبة مثلًا،؛ لتأتي هذه المدرسة وتقول لنا لا أثِقُ بشهادتكم، ولا كلِّ علامات جامعتكم، وسأمتحنكم أنا بنفسي لأتأكَّد!!

حسنًا.. لا بأس، ما زلتُ أتذكرُ أن القاعة هناك امتلأَتْ بالكثير من المعلِّمات من تخصصي نفسه، وبدردشة سريعةٍ معهنَّ اكتشفتُ أن أكثرهنَّ ذوات خبراتٍ طويلة، وبعضهنَّ حاصلاتٍ على شهادات ماجستير!

وما زلتُ أتذكر أن الامتحان كان طويلًا جدًّا، وبأسئلة مفتوحة تحتاج للكثير من الكتابة والتفاصيل، وكان أكثر سؤال يتردد من الجميع هل فعلًا سيقوم المصحِّح بقراءة كل هذي الإجابات الطويلة؟ ولكل هؤلاء المتقدِّمات للامتحان؟

ساد شعورٌ أن الأمر كلَّه تمثيلٌ، والشاغل للوظيفة محسومٌ سلفًا! لماذا يعطوننا أملًا، ثم يسحبونه هكذا؟!! لماذا يكذبون؟!!

تكرر هذا الامتحان الشكلي من عدة مدارس!!

وبقي السؤال المُرُّ عالقًا: إلى متى؟ وهل بعد هذا الليل الطويل من فجر؟!!

 ثم أخيرًا فُتحَتْ نافذة الفرج.. وبدأ عهدٌ جديد.. أعني: المعلمة البديلة.. أو التعليم الإضافي..  وما أدراكم ما التعليم الإضافي؟!! وما خيره وما شره!!

إنه… يتبع

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات 4 تعليقات

تمارا الخطيب منذ 4 أسابيع

هذا غيض من فيض ..
الواقع أشدّ قسوة مما ذكر ..
ولكن رغم كلّ ما حدث ورغم الدرب الطويل جدًا، هذا المعلم البديل لا يدرك أنّ له وقعًا بالقلب جاوز وقع المعلم الدائم، ولعلّه خلال التنقّل من محطة إلى أخرى زرع ورودًا متنوّعة، لتنعم سائر البلاد بشذاها ..

دمتِ ودام قلمك أيتّها المعلمة المتميزة

    إنعام عبد الفتاح
    إنعام عبد الفتاح منذ 4 أسابيع

    هذا من لطفك تمارا ،،
    المعلم أينما كان ومهما كان مسمّاه الوظيفي يحب – ويجب – أن يزرع الورود في طلابه … لتثمر حديقة غناء ذات طر فوّاح ومنظر خلّاب ولتكون مصدر سعادة ونفع للجميع ….
    رب يسعدك تمارا وانتِ كنت وما زلت من خيرة الطالبات والصديقات والوردات الفوّاحة

Etharalzobi منذ شهر واحد

انها محقة بكل معنى الكلمة وبكل التعابير التي تنبع من حروفها … إنها المعاناة التي يعاني منها معظم شبابنا وشاباتنا في الدولة … ينتظر الواحد منا عشر سنوات ليحصل على وظيفة هذا إن حصل اصلا ….!!!

    إنعام عبد الفتاح
    إنعام عبد الفتاح منذ شهر واحد

    صدقتِ عزيزتي ايثار … ولذا فهذه المذكرات وان كانت أحداثها خاصة بي ،، الا أنها عامة الحدوث للجميع … طابور البطالة يطول ويطول وهذا بحد ذاته قاتل للابداع والحيوية والنشاط عند الشباب …. والله وحده المستعان

أضف تعليقك