مذكرات معلمة وتأملاتها: أبناؤنا والقيم ودور الأهل

22 نوفمبر , 2017

بينما كنتُ في غرفة المساعدة الإدارية في إحدى المدارس أُصِّورُ بعضَ الأوراق؛ إذْ دخل علينا شاب صغير يرتدي زِيًّا مدرسيًّا، تبيَّن فيما بعد أنه في الصف العاشر جاء من مدرسة خاصة بعيدة جدًّا عن مدرستنا، وطلب أن يرى الطالبة فلانة من الصف العاشر عندنا.. طبعًا المساعدة في إجراءٍ روتينيٍّ سألَتْهُ لماذا؟ وهل أنتَ أخوها مثلًا؟

أتدرون من كان وماذا يريد منها؟ لقد تبيَن أنه ليس أخاها ولا حتى ابن عم أو ابن خال ولا حتى ابن جيران!

هو فقط “صديقها” في الفيسبوك وجاء -بكامل قواه العقليَّة- ليعطي البنت “سندويشة” ويفطر معها!!

ما هذه الرومانسية النازلة على أبنائنا؟! وأين دور أهله؟!

 

وذات يوم في مكان عامٍّ التقيتُ قَدَرًا بمجموعة من طالبات الصف الثامن (يعني 13 أو 14 سنة) وهي المجموعة المشاكسة، اندهشوا وانفعلوا لرؤيتي، وصاروا ينادي بعضُهم بعضًا لينظروا إلي، وكأنهم لأول مرة يَرَوْنَ معلمة خارج المدرسة!

كنتُ مع صديقتي بعيدًا قليلًا عنهم، لكنهم يرَوْني وأراهم، وبعد قليل رأيتُ العَجَب، لقد طلبوا “أرجيلة”!! ورَأَوْا أني أراهم، وعادي جدًّا، وكأنه لا شيء خطأ يحدث أبدًا! بالعكس إحداهنَّ صارتْ تنفخ بالأرجيلة أكثر لتريني أنها لا تهتم، ولعلمها أنه لا سلطةَ لي ما دمنا خارج أسوار المدرسة!!

لم أتكلَّم معهم حينها، لكنهم بالتأكيد رَأَوْا نظرة الانصعاق الأولى التي ظهرت مني.

 

في اليوم التالي في الحصة فتحتُ نقاشًا في الموضوع مع كل طالبات الصف بشكل عام، وبكل مودة دون تشهير بهذه المجموعة تحديدًا، ووجدتُ الكثير من البنات من الصف نفسه يتحدثون بنفس ما أردتُ أنا إيصاله -دون أيِّ اتفاقٍ مسبق بيننا- طبعًا أولئك الفتيات تحدثوا أيضًا بكامل حريَّتهن، وكنَّا في نقاشٍ ممتع، أنا نفسي انبهرتُ بقدرة البنات على إقناع بعضهنَّ، وتبادل وجهات النظر مع كامل الاحترام، فوصلَتْ الفكرة لتلك المجموعة من زميلاتٍ لهنَّ من نفس أعمارهنَّ قبل حتى أن أتكلم أنا!

وتذكرتُ نقاشاتٍ كثيرة مشابهة، عندما نناقش بناتًا في أعمار ما بين الـ 13 والـ 17 (من الصف الثامن للعاشر) حول أمور وقضايا البنات نحو: صحبة الشباب، والأرجيلة في المقاهي (الكافيهات) ولبس القصير (لا أقول الحجاب بل اللبس القصير فقط أو اللبس “العجيب” الذي ترتديه بعض البنات!) والأفلام السيئة… إلخ.

أول وأكثر رد نسمعه منهن هو: (ماما تعرف! بابا سمح لي! أخي رآني وما حكى! أصلًا أمي هي التي تشتري لي هذي الملابس! في البيت أنا من أُحضِّر الأرجيلة لـ بابا! الشاب الفلاني مثل أخي وماما تعرف! أُقابله وأختي الكبيرة معي! صاحبي معي على الفيسبوك، وعنده أخي وأبي بالفيسبوك، وهم يعرفون ويرَوْن تعليقاته عندي وتعليقاتي عنده! أنا وأختي وأخي نحضر الأفلام الفلانية -السيئة- وأبي يعلم! … إلخ)

يا تُرى هل أصبح الأب والأم مُشَرِّعَيْنِ من دون الله؟! فما يَرْتَضِيانِه هو الحق الجائزُ فِعلُه، وما لا يَرتضيانِه هو الحرام الممنوع، حتى لو كان غير ما شَرَعَه الله ويرضاه؟!

هل أصبحتْ مرجعيةُ الصواب والخطإ هم الآباء والأمهات مهما كان تدنِّي درجة تقواهم أو حتى عقلانيتهم؟!

 

يقول العلَّامة المفكِّر د.عبد الكريم بكار في كتابه (بناء الأجيال) :

“ولا يخفى أن عدم بعض المربين خيرٌ من وجوده! لأنه يفسد فطرةَ من يُربِّيه، ولا ينهضُ به، ولا ينمِّي إمكاناته، ولا يردُّه إلى الطريق القويم، بل يُكوِّن لديه الاتجاهات السيئة التي تضره وتؤدي إلى انحرافه”!

 

وفي ذات السياق أيضًا صعبٌ جدًّا أن تمسح معلوماتٍ خاطئةً راسخة بذهن الطلاب، وكأنها معتقدات لا يتنازلون عنها!

خاصةً المعلومات الدينية ( كقصص الإسرائيليات عن الأنبياء، أو الفتاوى الخطأ، أو الأحاديث المكذوبة، أو الخرافات) إذا كان أهلهم يخبرونهم بها دائمًا بالقول ويطبقونها أمامهم بالقدوة!

هؤلاء يا سادة يصدُّون كلَّ معلومة صحيحة يعطيها لهم المدرسون بترسانةٍ راسخة من المعلومات المُسبقة والأفكار الجاهزة الخاطئة من ثقافة أهاليهم وبيئاتهم أولًا!

وفي موقفٍ آخر مختلف لكنه في ذات سياق دور الأهل في غرس القِيم حدث أني في صباح أحد الأيام في أثناء وقوف السيارة التي كنتُ فيها على إحدى الإشارات الضوئية، حيث تقع مدرسة بنين ثانوية على يسارنا، كان أحد طلبة المدرسة يتحدث في الإذاعة المدرسية، وصوته واضح لكل من في الشارع، سررتُ جدًّا بالذي كان يقوله! بل لاحظتُ أن جميع من كان في السيارات والشارع حين كنا ننتظر فتح الإشارة كان يسمع بإنصات وإعجاب لذلك الطالب!

  فماذا كان يقول؟!

لقد كان يلقي قصيدة الشاعر المصري المعروف “هشام الجخ”، قصيدته المشهورة والرائعة جدًّا “التأشيرة”! كلمات القصيدة أصلًا رائعةٌ، وإلقاء الطالب كان مميزًا، ويشبه إلى حد كبير طريقة إلقاء الشاعر نفسه، وتوقيت اختيار إلقاء هذي القصيدة بالذات في تلك الأيام، وما تمرُّ به أمتنا كان موفَّقًا، وكَوْن أنَّ مثل هذه القصائد تهمُّ جيل طلبتنا، خاصة الذكور منهم، في مرحلة المدرسة؛ فيحفظونها ويهتمون بإيصالها لزملائهم عبر الإذاعة المدرسية كان شيئًا أكثر من رائع، ويُثلج الصدر فعلًا، ولهذا كله كان الجميع يستمعون لهذا الفتى بإنصاتٍ وإعجاب!

فمن أين عرف الطالب بهذه القصيدة، وأحبها، واهتم بها، وحفظها، وأحب إسماعها لأصحابه، رغم أن معظم من في عمره لا يفعلون؟!

إنهم الأهل يا سادة ودورهم في غرس القِيم متوافقين مع المدرِّسين والمدارس غير مُتعاكسين في ذلك، والأمثلة طبعًا من واقع تجارِب المعلمين والمعلمات كثيرةٌ كثيرة…



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات 4 تعليقات

Rana Mazen منذ 11 شهر

روعااااتك ،، ❤❤❤

    إنعام عبد الفتاح
    إنعام عبد الفتاح منذ 11 شهر

    تسلميلي رنا ☺️

Etharalzobi منذ 11 شهر

ماشاء الله صديقتي دائما تبدعين في اختيار الموضوع الذي تتحدثين عنه حيث أنه يلامس واقعنا بكل مافيه ..تتحدثين عن أكثر المشاكل والعقبات التي تواجه أبنائنا ومعلميهم .سلمت يداك ِ

    إنعام عبد الفتاح
    إنعام عبد الفتاح منذ 11 شهر

    أشكرك ايثار ، ذلك من توفيق الله أولاً ،، ثم من التجارب التي مررتُ بها في مجتمع المدارس وعالم التدريس ،،،

    أشكر لكِ لطفك وتكرمك بالتعليق وحسن ظنك بي ☺️☺️

أضف تعليقك