سلسلة مذكراتُ معلمةٍ وتأملاتُها – صداقتي مع طالباتي .. ثلاثة نماذج

7 ديسمبر , 2017

كثيراتٌ من طالباتي سأَلْنَنِي أو استشرْنَنِي أو أفْضَيْنَ إليَّ أو طلبْنَ دعمي لهنَّ في مسائل شخصية، مثل: التخصص الجامعي المناسب، أو الكتب والروايات المناسبة والجميلة في مواضيع مختلفة (لديَّ اهتمامات في هذا المجال) أو مسائل دينية: مثل: الأحكام الفقهية، وطلب النصح والتشجيع للصلاة والحجاب، أو مسائل عائلية، أو مشاكل بين الصديقات… إلخ

 

سأسرد هنا تجارِبي مع ثلاث طالبات فقط بوصفها نماذجَ متنوعة ومؤثِّرَة لم أنسَها، بيَّنَتْ لي الأثرَ الكبيرَ لصداقة المعلِّم بالطالب..

“بتول” (أثر الصداقة معها في التوجيه الديني والسلوكي).

“ياسمين” (أثر الصداقة معها في التوجيه الفكري وبناء الوعي).

“ميساء” (أثر الصداقة معها في الدعم النفسي لمواجهة مشاكل العائلة)

وبالتأكيد غيَّرتُ الأسماء ..

 

لِنبدأ بـِ “بتول”..

بتول طالبة في الصف العاشر -تقريبًا 15 سنة- جميلة جدًّا، من أصول غير عربية، ليست مهتمة بدراستها ألبتة، وفي الصف هادئة هُدُوءًا لا تكاد تظنُّ معه أن لها قصةً!

ثم عَرَفْتُ أن هدوءَ بتولٍ الذي رأيته في الأيام الماضية يُخفي وراءَه وجهَ أكثرِ طالبةٍ معروفةٍ بمشاجراتها في المدرسة.. مشاجراتٍ عنيفةٍ جدًّا لدرجة تشويهِ وجهِ من تشاجره!

ولا أدري من أين ولا كيف نشأَتْ صداقةٌ بيننا! ربما لأني كنتُ أبتسم لها كلما رأيتها! ربما لأنني معلمةٌ جديدة عندهم، لا أعرف ماضيها عكسَ بقيةِ المعلماتِ اللواتي ينظرنَ لها بصفتها صاحبةَ سوابقَ!! وربما لأنني معلمةُ دينٍ، ولمعلم الدين لدى بعض المتمردين والعنيفين خصوصية احترام!!

 

المهم.. أنها أخيرًا جاءتني، من تلقاء نفسها ذات يوم وأَفْضَتْ إليَّ، ويا لَهولِ ما قالته! أخبرتني أنها فعلتْ في عمرها القصير هذا كل شيء مما يخطر على البال أو لا يخطر!

تدخين وشرب خمر وقِمار وشجارات عنيفة مع أي شخص ولو أولاد الشارع -كانت متميزة بالكراتيه والتايكواندو- ودخول في مجموعات عَبَدة الشياطين التي كانت وقتها في أَوْج انتشارها في الأردن، ومشاهدة أفلام إباحية، وصديق جامعي يأتيها البيت، وتذهب هي لبيته، ويمكثان وحدهما، وللأسف أهلها يعلمون بكل هذا، وموافقون، بل ومشجعون!

كان لا بد من الكثير من الجلسات والحوارات، وطبعًا لم يحدث تغييرٌ جذري لها، فهي أصلًا لم تكن تشعر بوجود مشكلة!

 

ومع الأيام والحوارات أقرَّتْ بخطإ ما تفعل، ووعدتْ أنها ستحاول التخلص من كل هذا شيئًا فشيئًا.. وفعلًا بدأتُ ألحظُ تغيُّرها ..على الأقل في مسألة الشُّرب والعُنف، والاقتناع بخطإ وخطورة معتقدات عَبَدة الشياطين، وتعلم الصلاة، وإن لم تنتظم فيها.

أهم ما كنتُ أحرِصُ عليه أيامها هو إبقاءُ خيطِ الصداقة بيننا، مع أن كثيرًا من معلمات تلك المدرسة كنَّ يخبرنني دومًا أن لا فائدة من محاولاتي!

 

غير أن ظروفًا استجدَّتْ عليَّ أنا بالإضافة لتركي العمل في مدرستهم وانتقالي، حالتْ دون بقاء هذا الخيط! هذا وقد مضى الآن على قصتها معي حوالي 9 سنواتٍ تقريبًا!! ولا أدري اليوم ما آل إليه حالها، غير أني لم أنسها من دعواتي…

 

 

ياسمين..

كانت في التوجيهي -تقريبًا 18 سنة- لما بدأتُ تدريسهم بصفتي مدرِّسةً بديلةً فقط لمدة ثلاثة أسابيع! لكنها في هذه المدة القصيرة لاحظتْ أني من الذين يحملون ثقافةً واهتمامًا بقضايا الأمة فتواصلَتْ معي في الفيسبوك، وتوجَّهتْ لي بكل ما في جَعبتها من تساؤلات ونقاشات فكرية! صِدقًا أُعجبتُ بها؛ لكونها من القلة الذين لديهم اهتمامٌ بهذا النوع من النقاشات من جِيلها.

 

سألتُها ذات مرة: لم لا تسألين هذه الأسئلة لمعلماتك الأخريات؟! فردَّتْ: “أنا أوجه لهنَّ أسئلة أخرى عادية، أما هذا النوع من الأسئلة الفكرية الثقافية فلم أرَ أن معلمةً أخرى ستتقبله بطول بالٍ وتحسن الإجابة عنه ونقاشي فيه بوعي وتفهُّم وسَعة ثقافة كما تفعلين أنتِ”.

اختلفنا كثيرًا في الآراء، كان لديها علم ووعيٌ جيِّدَيْن، ولها استقلالها بالرأي بحيث تقبل آرائي أو ترفضها مهما حاولتُ إقناعها! وكانت نقاشاتنا تجرِبةً ثريَّةً، أثبتت لي أهمية دور الصداقة بين المعلم الطالب في التوجيه والتصحيح حتى على المستوى الفِكري والوعي في الحياة للطالب.

 

ميساء..

طالبة متفوقة من الصف التاسع -تقريبًا 14 سنة- جاءتني ذات يوم قبل الطابور الصباحي وهي تغالب دموعها وطلبتْ الحديث معي في زاوية لا يرانا فيها أحد من البشر! وهناك.. شمّرتْ لي عن ذراعَيْها فرأيتُ ما لا يقل عن سبع أو ثمان “رضَّات” ذات ألوانٍ بالأزرق والبنفسجي، بالإضافة لأثرٍ كبيرٍ واضح لـ “عضَّة”!!

رفعتُ حواجبي باندهاش ففاجأتني بالقول: أن أمها هي من فعلتْ بها هذا أمس ليلاً!

عادةً يغلي دمي ولأقصى درجة غليان حين أسمع قصة ظلم أو ضرب أو إهانة أحد من الأقارب لبنت عائلتهم، فكيف بأن يكون هذا من أحد والدَيْها؟! خاصة أن الطالبة متفوقة، ومهذبة، ولَمَّا فهمتُ منها سبب المشكلة وجدته سخيفًا تافهًا!

ثم فهمتُ من المرشدة المدرسية أنها ليستْ أول مرة تهاجمها أمها هكذا! وأن السبب الحقيقي أن تلك المسمَّاة “أم” تفرغُ عُقدَها من أهل زوجها التي لم تستطع احتمالهم.. فتصبُّ جامَّ غضبِها على هذه البنت الضعيفة التي لا علاقة لها!

قناعتي أنه مهما كان السبب ومهما كانتْ جريمة البنت هناك شيءٌ اسمُه حوار.. استعملوا ألسنتكم ولا تستخدموا أيْديكم أبدًا .. فكيف بأسنانكم!!

 

علاقتي بـميساء استمرت طويلًا عَبْر الفيسبوك، في محاولات للدعم النفسي لها بما يفتح الله به عليَّ، فقد كان كسرُ قلبِها كبيرًا ومتجددًا لاستمرار أسبابه في أسرتها.

ومرَّةً أُخرى أدركتُ أهمية أن تكون العلاقة بين المعلمة والطالبة علاقة صداقة واحترام ودعم نفسي ليتكلَّمن بأريحية وأمان.

 

ميساء الآن وبفضل الله تدرس الصيدلة في جامعة التكنولوجيا، أحببتُ لها ذلك التفوق الدراسي.. ولكن بقي في خاطري ألم أستشعره.. فياليت قلبي.. هل ستُسعفُ الشهادةُ العلمية المميزة القلبَ الذي طالما بكى وعانى وتمزَّق من زمهرير الأسرة القارص؟! أم سيكون ككثيرٍ من مظاهر واقعنا – مجرد ورقة توت بالكاد تستر نفسًا كُسرتْ وجُرحَتْ ولم تجد الضِّماد!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات 12 تعليق

Etharalzobi منذ أسبوع واحد

بارك الله فيك صديقتي ونفع بك ..تجارب رائعة حقا .. في الفترة التي درست فيها حاولت أن أكون دائما قريبه من الطلبة وإن كانت التجارب مختلفة لكن كنت أرى حب الطلبة لي ولله الحمد وهذا ساعدني كثيرا في التواصل معهم .

    إنعام عبد الفتاح
    إنعام عبد الفتاح منذ أسبوع واحد

    جميل جدا ايثار ،، وهذا ظني بكِ وبأسلوبك الجميل في التدريس ،، رب ينفع فيك خلقه☺️

إنعام أبو حلاوة منذ أسبوع واحد

بارك الله فيك . أنا أدرس في ألمانيا اللغة العربية كمادة أساسية في عدة مدراس واتبع أسلوب الصداقة مع جميع تلاميذ بمختلف أعمارهم . الحمدلله حمدا كثيرا يفرح تلاميذ دائما وينتظرون حصة اللغةالعربية الاسبوعية بكل شوق واسمع الكثير من التعليقات الطبية والجميلة من زملائي الألمان لماذا كل هذا الحب للمادة والمعلمة ويتعلمون دائما بنشاط وجد

    إنعام عبد الفتاح
    إنعام عبد الفتاح منذ أسبوع واحد

    رائع جداً،، أنتِ بهذا تعطين صورة مشرقة ومشرفة للغة العربية وقائليها وثقافتها وحضارتها .. وهذا ما نريده من كل معلم ومعلمة . نفع الله بكِ ورفع قدركِ أينما كنتِ☺️

منيرة جميل سعيد جابر منذ أسبوع واحد

دام فكرك الثاقب أختي انعام……ومشاعرك المرهفة وتواصلك الجميل الذي ينبع من نفس صادقة صاحبة رسالة سامية.

    إنعام عبد الفتاح
    إنعام عبد الفتاح منذ أسبوع واحد

    آمين ،،
    واياكم أختي وصديقتي المعلمة الرائعة منيرة ☺️

Mohammed tawalbeh منذ أسبوع واحد

انعم واكرم بهذه الكتابات الهادفه غير التكلفة التي تنبض بحب الخير للطالبات وكم لهذه المحبة والدعوات الصادقة في الخلوات والسلوك المهذب الرفيع من اثر في االناس وان لم تتكلم المعلمة بشئ

    إنعام عبد الفتاح
    إنعام عبد الفتاح منذ أسبوع واحد

    جزاكَ الله خيرا ورفع قدرك أستاذي الكريم

شكرا لك ايتها المعلمة الفاضلة المتميزه لو تكرمت واصلي الكتابة بهذا النفس الحي الواقعي الهادف المؤثر غير المتكلف فكم للدعاء وارادة الخير والسلوك الطيب من اثر طيب ملموس في الطلاب وان لم يتكم الاستاذ يا خيرة المدرسات انت رعاك الرحمن وكل المحبات للخير الفاعلات له.

    إنعام عبد الفتاح
    إنعام عبد الفتاح منذ أسبوع واحد

    جزاكَ الله الخير كله دكتور ،
    هذه والله سنة حميدة تعلمناها من حضرتك ودوركَ التربوي الفاعل في التوجيه والارشاد القِيَمي للطلبة في الجامعة ،
    بوركتَ وبورك أدبكَ الجمّ وخلقكَ المقتبس من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم

هبة موسى التلولي منذ أسبوع واحد

ما شاء الله عنك مس انعام خواطر رائعة ….
جعلك الله دائما محطات توعية واصلاح فكري وديني وملجأ لكل طالبة تحتاج اليه….
جزيتي خيرا

    إنعام عبد الفتاح
    إنعام عبد الفتاح منذ أسبوع واحد

    تسلمي هبة
    آمين أنا وانتِ وكل المعلمين والمعلمات ☺️

أضف تعليقك